المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : شهادة فتاة سورية أمضت تسع سنوات في سجون الحكم السوري


الاقصى
09-22-2005, 02:55 PM
شهادة فتاة سورية أمضت تسع سنوات في سجون الحكم السوري
هبة الدباغ طالبة جامعية من سورية كانت تستعد يوم الحادي والثلاثين من كانون أول/ ديسمبر 1980 لتقديم الامتحان صباح اليوم التالي في جامعة دمشق, حينما دهم شقتها التي تقيم فيها مع عدد من الطالبات مجموعة من عناصر الأمن السري السوريين, وطلبوا منها أن ترافقهم خمس دقائق فقط, وقد كلفت تلك الدقائق "هبة" أن تبقى تسع سنوات قيد الاعتقال بعد أن تم اقتيادها في تلكم الليلة مع زميلتين لها إلى مركز توقيف للأمن السياسي في دمشق.
ولم تتوقف معاناة السيدة هبة عند الاعتقال فترة طويلة (1980 - 1989), بل فقدت أيضاً والدها ووالدتها وثمانية من إخوتها وأخواتها في المجازر الجماعية التي ارتكبتها القوات العسكرية في مدينة حماة في شباط/ فبراير 1982, ولم ينج من العائلة سوى ثلاثة من إخوتها يعيشون الآن في المنفى.
وسعياً منها لتوثيق ما تعرضت له من أحداث مذهلة, وما شاهدته من ممارسات قاسية, فقد أصدرت "هبة" كتاباً يقع في 239 صفحة من القطع المتوسط تحت عنوان "خمس دقائق وحسب ..!" روت فيه ما تشهده السجون السورية من أعمال منافية لحقوق الإنسان والقوانين الدولية. وفي المقابلة الخاصة التالية التي أجريت معها عقب إصدارها لكتابها, تكشف "هبة" عن طبيعة الانتهاكات التي يتعرض لها المعتقلون في سورية, وعمليات التعذيب والقمع, والافتقار إلى الحدود الدنيا من الحقوق الأساسية التي نصت عليها الشرعة الدولية لحقوق الإنسان.
وفيما يلي نص المقابلة:

ما هي الظروف التي أحاطت بعملية اعتقالك عام 1980, وهل تم ذلك بناء على أمر قضائي؟

في الفترة التي اعتقلت فيها كانت أعمال العنف في أوجها, وأصبحت الصدامات بين القوات الأمنية والعسكرية وعناصر المعارضة الإسلامية شبه يومية, وكانت أجهزة الأمن التي أقامت الحواجز داخل المدن, وأمام الجامعات تقوم باعتقالات عشوائية وخاصة في صفوف الطلبة وفئة الشبان, وكان أخي الأكبر اضطر بسبب ذلك لمغادرة منزلنا في حماة, ومن ثم إلى خارج سورية بعد أن وُجهت إليه تهمة الانتماء إلى "جماعة الإخوان المسلمين" وهو ما يعني الحكم عليه بالإعدام بناء على القانون 49, ولم يدفعني ذلك لاتخاذ أي إجراء, إذ أنني لم أنتمِ إلى أي تنظيم سياسي ولم أكن على صلة بأي من الحوادث التي كانت تشهدها المدن السورية, وفي ليلة اعتقالي (31/12/1980) كنت أتهيأ لأداء امتحان الصف الأول من الجامعة, وفي وقت متأخر من الليل سمعتُ وزميلاتي أصواتاً غير عادية تبين لنا فيما بعد أنها لسيارات عسكرية كانت تقل عشرة من رجال الأمن السري (المخابرات), الذين اقتحموا الشقّة وقاموا بتفتيشها دون أن يكون بحوزتهم أي إذن قضائي, وقد طلب مني أحد الضباط أن أرافقهم لمدة خمس دقائق, وهكذا مكثت تسع سنوات في السجن.

هل كنت عُرضة للتعذيب أثناء اعتقالك والتحقيق معك؟, وهل شاهدت عمليات تعذيب لغيرك من المعتقلات؟

لقد كانت طريقة اعتقالي جزءاً من عملية قُصد منها إصابتي بالفزع, وبالفعل فقد واجهت منذ اللحظات الأولى للاعتقال هجوماً غير عادي من قبل ضباط الأمن الذين كانوا يستخدمون العبارات النابية في شتمي وسبّي, وتوجيه التهم إليّ في محاولة لدفعي للانهيار والإقرار باتهاماتهم التي لم يكن لها نصيب من الواقع, أما التعذيب البدني فقد كان لا يُطاق, وشمل الضرب بالخيزران على قدميّ ووجهي وسائر أنحاء جسمي, كما صُعقت بالكهرباء ما أدى إلى إصابتي بحالة إغماء, وشاهدت أثناء التحقيق معي سيدات أخريات تعرضن للضرب وتمت تعريتهن وتعليقهن من أرجلهن بالسقف, وتم الاعتداء جنسياً على بعض المعتقلات, وفي حالة أخرى قُطع لسان إحدى المعتقلات بالمقص, وخرقت طبلة الأذن لمعتقلة ثانية وكسر أنفها, وأبلغتنا إحدى المعتقلات أن زوجها قتل رمياً بالرصاص في منزله, ثم سُحلت جثته بعد أن تم ربطها بمؤخرة دبابة, وقد دفع التعذيب الشديد إحدى المعتقلات لمحاولة الانتحار بواسطة قطعة زجاج عثرت عليها في زنزانتها, وقامت معتقلة أخرى بابتلاع حبّة سمّ للتخلص من عمليات التعذيب, وقد توفيت إثر ذلك. أما المعتقلون من الرجال فقد تعرضوا لتعذيب لا يمكن وصفه, وقد شاهدتُ أكثر من جثة لمعتقلين توفوا تحت التعذيب, وشاهدنا أحدهم وقد أصيب بالشلل نتيجة تعرضه للضرب والصعق بالكهرباء, وفقد معتقل آخر عقله بسبب ما تعرض له, وكان من الطبيعي أن تجد كل معتقل وهو يعاني من مرض أو أكثر دون أن يتلقى العلاج.

هل نفهم من ذلك أن التعذيب كان يتزامن مع عدم توفر احتياجاتكم الأساسية ومنها الطبية؟

هذا هو الواقع فعلاً, فإذا ما فقد الإنسان حريته الأساسية, وانتهكت حقوقه, فإن الحديث عن الاحتياجات الأخرى لا يعود مجدياً, فقد كان جزءاً من التعذيب الذي نتعرض له, منعنا من الوصول إلى المرافق العامة إلا بإذن خاص من السجان, ويتزامن ذلك مع تعرض المعتقل أو المعتقلة للضرب والصفع والإهانة, أما الطعام المقدم لنا فقد كان منافياً تماماً لأدنى الشروط الصحية, وكميته لا تكفي بالكاد لسدّ الرمق, وفي حالات كثيرة تتعمد إدارة السجون تقديم أطعمة فاسدة لإصابة المعتقلين بالمرض, وفي تلك الحالة لا يتوفر العلاج, إذ أن ما يُعرف بـ "طبيب السجن" وهو شخص يتسم عادة بالقسوة وسوء التصرف وأقرب إلى جلاد منه إلى طبيب, يرفض في الغالب تقديم الأدوية, وفي حالات المرض الشديد يقدم للمعتقلة حبّة مسكّن, ولا يتوانى عن وصفها بـ "المجرمة".

هل كان ذلك يشمل المعتقلات السياسيات دون استثناء, وحتى بعد انتهاء التحقيق معكن؟

في الواقع لم نكن نحن معتقلات سياسيات بالمعنى الدقيق للكلمة, فليس هناك أي معتقلة كانت عضواً في تنظيم سياسي, وكنا جميعاً معتقلات كرهائن مقابل أن يسلم إخوتنا وأزواجنا أنفسهم للسلطات, ولم تكن أي واحدة منا تملك في الواقع معلومات دقيقة عن مكان وجود شقيقها أو زوجها, إذ أن عمليات المطاردة والملاحقة في حينه كانت تتم على نطاق واسع .. هذه نقطة توضيحية لسؤالك ..
أما الإجراءات القاسية فقد كانت تشمل الجميع دون استثناء, وأكثر ما يبعث على الألم هو رؤية معتقلات حوامل, فالسيدة "مطيعة ح" كانت أماً لأربعة أطفال وقد اعتقلت بينما كانت في الأيام الأخيرة من حملها, وأدت طريقة اعتقالها الوحشية لاضطرارها لوضع مولودها بعد ساعات قليلة من توقيفها, ولما طلبت من إدارة السجن مساعدتها رفضوا ذلك, وكادت عملية الولادة أن تودي بحياتها وهي في هذه الحالة, أما "عائشة ق" فقد اعتقلت وهي حامل في شهرها السابع, ورغم ذلك فقد تعرضت لتعذيب قاس, واضطرت لوضع مولودها في نفس المهجع الذي كنا فيه في سجن "قطنة" ولم تحظ بأي رعاية طبية, وأما "سلوى ح" فقد اعتقلت في سجن تدمر وهي حامل مع أمها وأختها, وعندما وضعت مولودها في السجن قامت المعتقلات الأخريات بقصّ الحبل السري للمولود بقطعة صفيح, وإذا كانت الأمهات لم ينلن أي عناية في لحظة الولادة فمن الطبيعي تصور حالة المواليد, إذ كان معظمهم يولدون في حالة صحية صعبة.

الاقصى
09-22-2005, 02:56 PM
---------------------- تكملة الموضوع ----------------------------------------------



أثناء فترة اعتقالك, هل التقيتِ ممثلين عن الصليب الأحمر, أو منظمات حقوق الإنسان الدولية؟

لم ألتق أياً من هؤلاء, وفي الواقع لم يكن هذا الأمر ممكناً, إذ أن السلطات كانت تتكتم على أخبار الاعتقالات, وحتى أهالي المعتقلين لم يكونوا على علم بأماكن احتجاز أبنائهم, بل لم يعرف معظمهم ما إذا كان أبناؤهم ما زالوا على قيد الحياة, وبالتالي يمكن تصور أن السلطات لم تكن لتسمح لأي جهة حقوقية بالتدخل لمعرفة أوضاعنا.
تحدثت في أحد فصول كتابك, عن قيام طبيب السجن بإعطائك إبراً مسببة للعقم, هل يمكن أن تشرحي تلك الحادثة؟
عندما كنت في سجن "قطنة" أصبت بوعكة صحية شديدة, وقد طلبت مراجعة طبيب السجن, وكان رجلاً معروفاً بالسوء, وعندما شرحت له ما أعانيه قدم لي عدة إبر علاجية لم أكن أعرف محتواها, وفي إحدى المرات قام أحد الأطباء بزيارة شقيقته في السجن, وعندما عرف بحالتي المرضية طلب الاطلاع على الدواء الموصوف من قبل طبيب السجن, وكانت المفاجأة عندما أبلغني أن هذه الإبر تسبب العقم للنساء, ولا علاقة لها بما أعانيه من آلام,وقد توقف على الفور عن استخدامها.

كيف تصفين لحظة الإفراج عنك, وما الذي يعنيه لك قضاؤك تسع سنوات خلف القضبان؟

لقد كانت لحظة مؤثرة جداً, لم أكن أتخيلها, فقد كانت سنوات الاعتقال عصيبة للغاية, وتركت لدي آثاراً نفسية جارحة, إذ أنها المرة الأولى التي أرى فيها أناساً يمارسون هذا القدر من الوحشية بحق بشر آخرين, وكان عليّ أن أمضي سنوات أخرى وأنا أعاني من الكوابيس مما واجهته في الاعتقال, ولكي أبدأ حياتي من جديد فقد عملت على نسيان الماضي وتجاوزه, والتوجه نحو المستقبل مفعمة بالأمل والإرادة, ولكني في نفس الوقت لم أنس واجبي تجاه المعتقلين في السجون في أي مكان يحدث فيه ظلم للإنسان, ومن هنا أصدرت كتابي لأستحث الرأي العام على التحرك لإنهاء معاناة المعتقلين ليس في سورية وحدها, ولكن في كل مكان من العالم, وما زال لدي اهتمام كبير بقضايا حقوق الإنسان بعد أن أدركت أن العمل في سبيل ذلك جزء من الواجب الإنساني.

نور التقوى
09-23-2005, 09:40 PM
لا حول ولا قوة الا بالله

وحسبنا الله ونعم الوكيل

جزاك الله خيراً أخي الفاضل الاقصى

رباه عفوك
09-24-2005, 05:18 PM
هبة الدباغ...
نعم هي أخت من الأخوات الكثر اللواتي عاشوا أصعب أيام حياتهم في سوريا، وهي الآن تعيش في دولة أوروبية. كتبت كتاب بعنوان خمس دقائق فقط تسع سنين في سجون سوريا. كتاب تتقطع له القلوب وانا سوف انقله لكم قريباً بإذن الله تعالى.
أدعوا الجميع لقراءته.

بارك الله فيك أخي وجزاك الله الجنة

tbaly
05-11-2007, 02:14 PM
حسبنا الله ونعم الوكيل