الجهادية
11-26-2005, 10:19 AM
http://www.up2up.com/uploads/031e3de880.gif
اخواني واخواتي في الله انها قصة طويلة ولكنها
والله مليئة بالعبر وقد ذكرها ابن قدامه في كتاب :
" التوابين " اتمنى نستفيد منها :
كان الأمير " موسى بن سليمان الهاشمي " من أنعم أبناء أبيه
عيشا ، وأرخاهم بالا، وكان شاباً جميلا وسيما ، وكانت له قبة
على موضع عال ، يجلس فيها بالعشيات ينظر إلى الناس ، وإلى
بساتينه وأراضيه ، ومعه في القبة ندماؤه واصدقاؤه، والمجامر
منصوبة لا ترفع عن البخور ، وقد وقف على رأسه الخدم بأيديهم
المراوح ، ووقف المغنيات والراقصات بحذائه في مجلس خارج القبة يراهن ، فإذا أصبح اشتغل بالنظر إلى لعابين بين يديه بالنرد والشطرنج ، لا يذكر بين يديه موت ولا سقم ولا مرض ، فبينما هو في قبته تلك ذات ليلة ، إذ سمع نغمة من حلق ندي شجي ، خلاف ما يسمع من مطربيه، فأخذت بمجامع قلبه ، وسلبت فؤاده ، فأشار إلى من حوله :
أن اسكتوا، وأخرجرأسه من نافذة يتسمع الصوت الذي وقع بقلبه .
ثم صاح بغلمانه : اطلبوا صاحب هذا الصوت ، فخرج الغلمان يطوفون
فإذا هم بشاب نحيل الجسم ، شعت الرأس ، حافي القدمين قائم
في المسجد يناجي ربه ويصلي ويقرأ القرآن ، فأخذوه وأدخلوه على الأمير، وأخبروه أنهم وجدوه في المسجد قائماً يصلي ، فقال الأمير
لذلك الشاب : ما كنت تقرأ ؟
قال : كلام الله
قال : فأسمعني بتلك النغمة ، فقرأ الشاب:
(( إن الأبرار لفي نعيم )) إلى قوله تعالى : (( يشرب بها المقربون ))
ثم قال له : أيها الأمير ، إنها خلاف مجلسك وفرشك ، إنها أرائك مفروشة
بفرش مرفوعة (( بطائنها من استبرق )) ، (( على رفرف خضر وعبقري حسان ))
، يشرف ولي الله منها على عينين تجريان في جنتين
(( فيهما من كل فاكهة زوجان )) ، (( لا مقطوعة ولا ممنوعة )) ،
(( أكلها دائم وظلها تلك عقبي الذين اتقوا وعقبي الكافرين النار )) ،
(( لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون )) ، (( في ضلال وسعر يوم يسحبون
في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر )) ، (( يود المجرم لو يفتدي من
عذاب يؤمئذ ببنيه )) ، وهم في جهد جهيد وعذاب شديد ، ومقت من رب
العالمين .
فقام الأمير الهاشمي من مجلسه ، وعانق الشاب وبكى ، وصاح
بندمائه : انصرفوا عني ، وخرج إلى صحن داره ، وقعد على حصير ،
مع ذلك الشاب ينوح ويبكي على شبابه وذنوبه الماضيات ، والشاب
يعظه وينصحه إلى أن أصبح وقد عاهد الله ألا يعود إلى المعاصي أبدا ،
ثم رد المظالم إلى أهلها ، وأعتق عبيدة وجواريه وتصدق بالكثير من
أمواله ، ثم اجتهد في العبادة ، فكان يصوم النهار ويقوم الليل، حتى
كان إخوانه الصالحون يعاتبونه ويقولون له :
ارفق بنفسك فإن المولى كريم ، يشكر اليسير ، ويثيب على الكثير ،
فكان يقول لهم :
يا قوم أنا أعرف بنفسي إن جرمي عظيم ، فقد عصيت مولاي بالليل
والنهار، وكان يبكي كثيرا ، ثم إنه خرج إلى البيت الحرام حاجا وكان
يدخل الحجر بالليل ينوح على نفسه ويقول :
سيدي لم أراقبك في خلواتي ، سيدي ذهبت شهواتي وبقيت تبعاتي
وحسراتي فالويل لي يوم ألقاك ، والويل كل الويل من صحيفتي إذا
نشرت مملوءة من فضائحي وخطاياي ، بل حل بي الويل من مقتك
إياي وتوبيخك لي في إحسانك إلي ومقابلتي نعمتك بالمعاصي ،
وأنت مطلع على أفعالي ، سيدي إني لا أستحق أن أسألك الجنة ،
بل أسألك بجودك وكرمك وتفضلك أن تغفر لي وترحمني ، فإنك
أهل التقوى وأهل المغفرة.
قال " محمد بن السماك" :
فبينما أنا ذات ليلة في الطواف إذ سمعت نغمته وبكاءه ، فحركني
وأقلقني فاقتربت منه وسألته ، فعرفني وحكى لي قصة توبته ،
ثم أخذني معه إلى غرفته وقال لي :
مازلت متشوقا إلى لقائك حتى تداوي جرحي بمرهم كلامك ،
فقلت له :
اجعل الموت نصب عينيك ، واعلم أن بين يديك عقبة عليها المسلك
غدا ، لا يقطعها إلا الورعون عن محارم الله تعالى ، فأعد العدة
والجواب فإنك قادم لا محالة على أحكم الحاكمين وديان يوم الدين ،
يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ، وهو
( أي الهاشمي ) في كل منصت يسمع ثم اطرق شبه المفكر، فقمت
من عنده وخرجت فلماأصبح الصباح ، تصرفت في حوائجي فدخل
على وقت الظهر وأنا في الطواف ، وإذا الناس يتراكضون نحو باب
الصفا ، فقلت : ما الخبر قالوا : جنازة غريب ، فخرجت وصليت على
تلك الجنازة وقلقت على صاحبي الهاشمي فذهبت فوري ، إلى تلك
الدار وسألت عنه فقالوا :
أجرك الله، ألم تشهد جنازته ، ألست صاحبه البارحة ، قلت : نعم
قالوا : إنك لم خرجت من عنده لم يزل يقول :
فؤادي ، فؤادي ذنبي ذنبي إلى أن مضى عامة الليل وهو يبكي
ثم سكن فلما أصبح انبهناه للصلاة فإذا هو فارق الدنيا ، ولم يشهد
خروج روحه أحد ولم يغمض.
فقلت لهم : وهل عرفتموه؟
قالوا : لا، كان غريبا من الحجاج نزل عندنا ، ما رأينا ولا سمعنا بمثله ،
نهاره صائم لله تعالى وليله قائم يصلي ، ويبكي وينوح على نفسه
كأن ذنوب العباد هو المطالب بها.
اخواني واخواتي في الله انها قصة طويلة ولكنها
والله مليئة بالعبر وقد ذكرها ابن قدامه في كتاب :
" التوابين " اتمنى نستفيد منها :
كان الأمير " موسى بن سليمان الهاشمي " من أنعم أبناء أبيه
عيشا ، وأرخاهم بالا، وكان شاباً جميلا وسيما ، وكانت له قبة
على موضع عال ، يجلس فيها بالعشيات ينظر إلى الناس ، وإلى
بساتينه وأراضيه ، ومعه في القبة ندماؤه واصدقاؤه، والمجامر
منصوبة لا ترفع عن البخور ، وقد وقف على رأسه الخدم بأيديهم
المراوح ، ووقف المغنيات والراقصات بحذائه في مجلس خارج القبة يراهن ، فإذا أصبح اشتغل بالنظر إلى لعابين بين يديه بالنرد والشطرنج ، لا يذكر بين يديه موت ولا سقم ولا مرض ، فبينما هو في قبته تلك ذات ليلة ، إذ سمع نغمة من حلق ندي شجي ، خلاف ما يسمع من مطربيه، فأخذت بمجامع قلبه ، وسلبت فؤاده ، فأشار إلى من حوله :
أن اسكتوا، وأخرجرأسه من نافذة يتسمع الصوت الذي وقع بقلبه .
ثم صاح بغلمانه : اطلبوا صاحب هذا الصوت ، فخرج الغلمان يطوفون
فإذا هم بشاب نحيل الجسم ، شعت الرأس ، حافي القدمين قائم
في المسجد يناجي ربه ويصلي ويقرأ القرآن ، فأخذوه وأدخلوه على الأمير، وأخبروه أنهم وجدوه في المسجد قائماً يصلي ، فقال الأمير
لذلك الشاب : ما كنت تقرأ ؟
قال : كلام الله
قال : فأسمعني بتلك النغمة ، فقرأ الشاب:
(( إن الأبرار لفي نعيم )) إلى قوله تعالى : (( يشرب بها المقربون ))
ثم قال له : أيها الأمير ، إنها خلاف مجلسك وفرشك ، إنها أرائك مفروشة
بفرش مرفوعة (( بطائنها من استبرق )) ، (( على رفرف خضر وعبقري حسان ))
، يشرف ولي الله منها على عينين تجريان في جنتين
(( فيهما من كل فاكهة زوجان )) ، (( لا مقطوعة ولا ممنوعة )) ،
(( أكلها دائم وظلها تلك عقبي الذين اتقوا وعقبي الكافرين النار )) ،
(( لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون )) ، (( في ضلال وسعر يوم يسحبون
في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر )) ، (( يود المجرم لو يفتدي من
عذاب يؤمئذ ببنيه )) ، وهم في جهد جهيد وعذاب شديد ، ومقت من رب
العالمين .
فقام الأمير الهاشمي من مجلسه ، وعانق الشاب وبكى ، وصاح
بندمائه : انصرفوا عني ، وخرج إلى صحن داره ، وقعد على حصير ،
مع ذلك الشاب ينوح ويبكي على شبابه وذنوبه الماضيات ، والشاب
يعظه وينصحه إلى أن أصبح وقد عاهد الله ألا يعود إلى المعاصي أبدا ،
ثم رد المظالم إلى أهلها ، وأعتق عبيدة وجواريه وتصدق بالكثير من
أمواله ، ثم اجتهد في العبادة ، فكان يصوم النهار ويقوم الليل، حتى
كان إخوانه الصالحون يعاتبونه ويقولون له :
ارفق بنفسك فإن المولى كريم ، يشكر اليسير ، ويثيب على الكثير ،
فكان يقول لهم :
يا قوم أنا أعرف بنفسي إن جرمي عظيم ، فقد عصيت مولاي بالليل
والنهار، وكان يبكي كثيرا ، ثم إنه خرج إلى البيت الحرام حاجا وكان
يدخل الحجر بالليل ينوح على نفسه ويقول :
سيدي لم أراقبك في خلواتي ، سيدي ذهبت شهواتي وبقيت تبعاتي
وحسراتي فالويل لي يوم ألقاك ، والويل كل الويل من صحيفتي إذا
نشرت مملوءة من فضائحي وخطاياي ، بل حل بي الويل من مقتك
إياي وتوبيخك لي في إحسانك إلي ومقابلتي نعمتك بالمعاصي ،
وأنت مطلع على أفعالي ، سيدي إني لا أستحق أن أسألك الجنة ،
بل أسألك بجودك وكرمك وتفضلك أن تغفر لي وترحمني ، فإنك
أهل التقوى وأهل المغفرة.
قال " محمد بن السماك" :
فبينما أنا ذات ليلة في الطواف إذ سمعت نغمته وبكاءه ، فحركني
وأقلقني فاقتربت منه وسألته ، فعرفني وحكى لي قصة توبته ،
ثم أخذني معه إلى غرفته وقال لي :
مازلت متشوقا إلى لقائك حتى تداوي جرحي بمرهم كلامك ،
فقلت له :
اجعل الموت نصب عينيك ، واعلم أن بين يديك عقبة عليها المسلك
غدا ، لا يقطعها إلا الورعون عن محارم الله تعالى ، فأعد العدة
والجواب فإنك قادم لا محالة على أحكم الحاكمين وديان يوم الدين ،
يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ، وهو
( أي الهاشمي ) في كل منصت يسمع ثم اطرق شبه المفكر، فقمت
من عنده وخرجت فلماأصبح الصباح ، تصرفت في حوائجي فدخل
على وقت الظهر وأنا في الطواف ، وإذا الناس يتراكضون نحو باب
الصفا ، فقلت : ما الخبر قالوا : جنازة غريب ، فخرجت وصليت على
تلك الجنازة وقلقت على صاحبي الهاشمي فذهبت فوري ، إلى تلك
الدار وسألت عنه فقالوا :
أجرك الله، ألم تشهد جنازته ، ألست صاحبه البارحة ، قلت : نعم
قالوا : إنك لم خرجت من عنده لم يزل يقول :
فؤادي ، فؤادي ذنبي ذنبي إلى أن مضى عامة الليل وهو يبكي
ثم سكن فلما أصبح انبهناه للصلاة فإذا هو فارق الدنيا ، ولم يشهد
خروج روحه أحد ولم يغمض.
فقلت لهم : وهل عرفتموه؟
قالوا : لا، كان غريبا من الحجاج نزل عندنا ، ما رأينا ولا سمعنا بمثله ،
نهاره صائم لله تعالى وليله قائم يصلي ، ويبكي وينوح على نفسه
كأن ذنوب العباد هو المطالب بها.