د.أبومريم
11-01-2007, 11:32 PM
http://www4.0zz0.com/2007/10/17/22/92700963.jpg
يقول الله - عز وجل - : { إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون } . يقول الرسول ، صلى الله عليه وسلم : " لا تختلفوا فتختلف قلوبكم " . متفق عليه كيف نتعامل بعضنا مع بعض؟ وكيف يفهم بعضنا بعضاً؟ وكيف يعذر بعضنا بعضاً؟ وكيف يحب بعضنا بعضاً؟ يل وكيف نختلف بعضنا مع بعض، تحت مظلة الحب في الله؟.
إن العمل الإسلامي في حاجة ماسة لهذا الفقه حتى لا يتسع الخلاف بين أفراد الصف الواحد، وحتى لا تضيع جهودنا جميعاً، فالأخوة ليست شعاراً يرفع ولا كلمات تردد، ولكنها عمل وفعل وتطبيق، إنها نظام حياة، وتعاون، وتكامل، وتكافل، إنها المرآة التي يرى كل منا فيها نفسه بصراحة، وشفافية ووضوح، وهي اليد التي تغسل الأخرى.
فإذا وصلنا إلى هذا المستوى؛ نكون قد وضعنا أقدامنا على أول طريق النصر المأمول، ولنا في المصطفى -صلى الله عليه وسلم- القدوة حين بدأ بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار كخطوة أساسية وأولية بعد ترسيخ العقيدة والإيمان في النفوس.
لم يكن شيء أبغض إليه ، صلى الله عليه وسلم ، بعد الكفر من الاختلاف والتنازع ، ومن أجل ذلك ، قال : " الجماعة رحمة والفرقة عذاب " . [ رواه أحمد ] . وجعل الخلاف والنزاع هو سبب الهلاك ، فقال : " إنما هلك بنو إسرائيل بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم " . [ رواه مسلم وأحمد ] . ولقد كره سلفنا الصالح الخلاف والشقاق واعتبروه شراً لا خير فيه . قال ابن مسعود - رضي الله عنه - : " الخلاف شر " .
ولكن مشيئة الله - سبحانه وتعالى - قد اقتضت أن تتفاوت العقول ، وتتباين المدارك ؛ مما يؤدي إلى تعداد الآراء والاجتهادات ، وقد أشار القرآن الكريم إلى أن الخلاف بين البشر من سنن الله الكونية . قال - تعالى - : { ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم } .
نود أن نشير هنا إلى أن الاختلاف الذي يقع بين الأمة منه ما يكون في أمور العقيدة والأصول ، ومنه ما يكون في مسائل الفروع والأحكام ، ولا خلاف في أنه بالنسبة للنوع الأول لابد من الإنكار على من خالف العقيدة الصحيحة ، ولابد من دحض شبهات أصحابه ، فهذه الأمور قد بينها الله ورسوله أجلى بيان ، والمخالف فيها مخالف لأمور قطعية لا تقبل النقاش والجدال . وأما النوع الثاني فهو الذي نقصده بحديثنا هنا ، ونُريد أن نبين شيئاً من الأدب الذي كان يلتزمه السلف الصالح إذا ما وقع بينهم شيء من هذا الخلاف . يقول الشيخ رشيد رضا في تقدمته لكتاب ( المغني ) لابن قدامة : " ولما كان الاختلاف في الفهم من طبائع البشر خصّ الاختلاف المذموم بما كان عن تفرقة أو سبباً للتفرق ، وجرى على ذلك السلف الصالح فحظروا فتح باب الآراء في العقائد ، وجعلوها في الفروع ، وكان بعضهم يعذر بعضاً في المسائل الاجتهادية ولا يكلفه موافقته في فهممه " . اهـ .
** أدب الخلاف من خلال كتاب الله **
إننا نلمح في كتاب الله - عز وجل - إشارات إلى أدب الخلاف ، فمن ذلك ما رواه البخاري عن عبد الله ، قال : كاد الخيّران أن يهلكا أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما - رفعا أصواتهما عند النبي ، صلى الله عليه وسلم ، حين قدم عليه ركب من بني تميم ، فأشار أحمدهما بالأقرع بن حابس ، وأشار الآخر بالقعقاع بم معد بن زرارة ، فقال أبو بكر لعمر : ما أرد إلا خلافي ، قال عمر : ما أردت خلافك ، فارتفعت أصواتهما في ذلك ، فأنزل الله - تعالى - : { يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي } . الآية . .
قال ابن الزبير : " فما كان عمر يسمع رسوله الله ، صلى الله عليه وسلم ، يعد هذه الآية حتى يستفهمه " . وهذا النص يوضّح لنا كيف نختلف في الرأي ومع ذلك لا يعتدي بعضنا على بعض ، ولا ترتفع أصواتنا عند الخلاف . ومن ذلك قوله - تعالى - : { ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله . . } . الآية . .
وكانوا قد اختلفوا في قطع الأشجار ، فقطع قوم وترك آخرون ، فجاء القرآن مُقراً لكليهما غير مُعنف لأي منهما . ومن ذلك قوله - تعالى - : { وداود وسليمان إذ يحكمان الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين . ففهّمناها سليمان وكلا آتينا حكماً وعلماً . . } الآية . . فخص سليمان بالفهم ، وأثنى عليهما بالحكم والعلم ، ومن هذين النصين نستخلص : أن القرآن الكريم يذكر طائفتين اختلفا ، ومع ذلك لا يذمّ واحدة منهما ؛ ليعلّمنا أنه في مثل هذه الأمور ينبغي أن يقرّ بعضنا بعضاً . وفي قصة سليمان وداود ما يشير - والله أعلم - إلى أن الرأيين ليسا متساويين ، بل حكم سليمان أصوب ؛ لأنه خص بالفهم ، ومع ذلك أثنى عليهما جميعاً بالحكم والعلم .
** أدب الخلاف في السنة النبوية **
وقد نجد في سنة رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، ما يعلّمنا أدب الخلاف - أيضاً - ، فمن ذلك ما أخرجه البخاري ومسلم من أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال يوم الأحزاب : " لا يُصلين أحدكم العصر إلا في بني قريضة " . فأدرك بعضهم العصر في الطريق ، فقال : لا نصلي حتى نأتيها ، أي ديار بني قرضية ، وقال بعضهم : بل نصلي . لم يُرد منا ذلك ، ذكر ذلك للنبي ، صلى الله عليه وسلم ، فلم يعنف واحداً منهما .
فها هنا فريقان فريق تمسك بظاهر النص فأبى أن يصلي إلا في بني قريظة ، حتى لو خرج وقت الصلاة ، وفريق استنبط من النص معنى خصّصَه به ، ففهموا أن المقصود هو الإسراع فصلوا في الطريق وأسرعوا ، ومع ذلك لم يعنف رسول الله أياً منهما ، وقد ذكر ابن القيم - يرحمه الله - في زاد المعاد : أن كلاًّ من الفريقين مأجور بقصده ، إلا أن من صلى حاز الفضيلتين : امتثال الأمر في الإسراع ، وامتثال الأمر في المحافظة على الوقت . . إنما لم يعنف الذين أخروها ؛ لقيام عذرهم للتمسك بظاهر الأمر ، ولأنهم اجتهدوا . . لكنهم لم يصلوا إلى أن يكون اجتهادهم أصوب من الطائفة الأخرى . ونود التركيز هنا على كون إحدى الطائفتين أصوب من الأخرى ، لأن معنى ذلك أن ترك الإنكار لا يكون فقط ، إذا كان القولان متساويين ، بل حتى لو كنت ترى قولك أصوب من الآخر . ومن ذلك قوله ، صلى الله عليه وسلم ، يُنبههم إلى ترك القراءة إذا ما حدث خلاف في بعض أحرف القراءة ، أو فهم بعض المعاني حتى لا تختلف القلوب ، ويحدث الشقاق والنزاع .
**بعض مظاهر الاختلاف **
الاختلاف ، قد يكون من ورائه خيراً كثيراً ، فقد اختلف فهم الصحابة لمراد الحبيب صلى الله عليه و سلم بالحرص على صلاة العصر في بني قريظة ، ففتح ذلك أبواب من المرونة الفقهية ، لا زالت تنتفع بها الأمة الى يومنا هذا .
- و كذلك اختلفت الملائكة فيمن قتل مائة نفس –إن صحت الرواية- بأيتُها يُلحق ، الأرض التي ارتكب فيها كل هذه المعاصي ، ام للبلدة التي اراد الهجرة اليها تائباً الى الله تعالى ، فجاء الفرج و الخير من جراء هذا الاختلاف ، ان اوحى الله تعالى للأولى أن ابتعدي ، و للثانية ان اقتربي ، و لحِقتُه رحمة الله تعالى .
- من سمات اهل الباطل عند الاختلاف ، و التي لا تتغير و لا تتبدل بإختلاف العصور و الزمان ، الهجوم على صاحب الحق ، و عدم مناقشة الحجة بالحجة ، و التهديد بالسجن ،و الاتهام بالسحر ، و شتى التهم الباطلة ، كما فعل فرعون مع موسى عليه السلام ، و لينسحب هذا الاتهام على سحرته بعد إيمانهم ، و يضيف اليه التهديد بالتعذيب و الصلب ، و التآمر من موسى لإخراج القوم من أرضهم ، لا يثبت بذلك الا ضعفه و عجزه ، و من سماتهم أيضاً إما انك معي او انك ضدي (لئن اتخذت إلها غيري...) .
- هناك من يضع لك شروطاً تعجيزية عند الاختلاف ، إذا اردت محاورته و دعوته لما يقرب بينك و بينه ، و ذلك من مثل ما واجهه الحبيب صله الله عليه و سلم حين ساله قومه أن يفجر لهم الأرض ينابيع ، او تكون له جنة من نخيل و اعناب او يسقط السماء عليهم...الخ ، و لكل قوم وارث ، مثل هؤلاء لا حيلة معهم الا الاقتداء بالحبيب صلى الله عليه و سلم (فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا و الآخرة ، و إن تردوه عليّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني و بينكم) .
- و هناك من تحتاج الى ان تفكر كثيراً كثيراً قبل التحاور إذا اختلفت معهم ، و هم من عبر عنهم فضيلة الشيخ سلمان العودة بقوله (البعض منّا لا يحسن الابداع الا في خلق مشكلات وهمية ، ما إن ينتهي من مناقشتها حتى يعيد تصنيعها ليعالجها مرة اخرى مما يُغيبه عن مشكلاتنا الجادة التي تستحق منا المعالجة الحقيقية لا الوهمية ) .
- قبل الحوار علينا ان نتحرر من قيود المدح و الذم فلا يكون للأول اثر كبير في مواصلة الحوار ،و لا يقعد بنا الثاني ، فالتجرد و الاخلاص لله تعالى من اهم الأسباب التي تُعين على الوصول الى الحق ، و علينا و كما أشار د. ميسرة طاهر الراشد أن نميز بين السلوك الذي قد يصدر و يؤلمنا و بين الشخص نفسه ، و الا تكون ساحة الحوار ساحة لإلتقاط الأفكار دون الصبر على صاحبها ليزيدها وضوحاً ، فنضخم بذلك امورأً ما كانت تستحق منا ذلك ، و اشار ايضاً الى أهمية الدعاء ، حيث يُحسن العقل و عمل الذاكرة و يبعث على الأمل و يمنح الشعور بقبول الآخر بعكس الدعاء على المخالف ، و يضع المرء في حجمه الطبيعي .
-الخلافات ربما تكون بسبب إشاعة مغرضة، أو بسبب قول لم يتثبت منه صاحبه، أو بسبب انطباع سيئ لم يكن مبنياً على علم صحيح إلى غير ذلك من الأشياء التي توغر صدور المؤمنين بعضهم على بعض، دون أن تكون مبنية على فهم صحيح للآخر، وقد تفهم هذا الإنسان من خلال كتاب أو موقف معين؛ بينما الحقيقة قد تكون أوسع وأبعد من ذلك.
إتقان مهارات التواصل مع الآخرين يعين كثيراً في حل الخلافات ، او تقليل مساحتها ، و يشير أرباب هذا العلم انه على المرء ان يخصص 45% من الوقت للإستماع ، 30% للتحدث ، 16% للقراءة ، و 9% للكتابة ، و كان الجاحظ يعلم ابنه بقوله (يا بنيّ تعلم حسن الإستماع كما تتعلم حسن الحديث ، و ليعلم الناس منك أنك احرص على ان تسمع على ان تقول ) .
- إدراك ان النفس تحتوي أربع مناطق او مساحات ،الأولى ، منطقة اعرفها عن نفسي و يعرفها الآخرون كالشكل و العمر و مكان العمل ، و ما الى ذلك .الثانية ، ما يعرفه الآخرون و لا اعرفه أنا ، مثل وجود شئ من الأنانية او الأهمال او تفضيل احد الأولاد عن الآخر . الثالثة ، منطقة اعرفها و لا يعرفها غيري ، كاسرار العمل ، اشياء بداخل كلٌ منّا ، و هكذا .الرابعة ، منطقة الذات المعتمة ، و هي ما لا اعرفه انا و لا يعرفه الآخرون ، و هي منطقة اللاوعي و التي احياناً تحرك سلوكنا ، قد تظهر إذا اتت ظروف مناسبة ، احياناً يندهش الآخرون كيف صدر هذا الفعل منّا .
- عند الاختلاف ، عليك ايضاً ان تحدد و بدقة حرصاً على جهدك و وقتك ، هل انت تحتاج الى السمع فقط ، ام الاستماع ، ام الانصات ، فالأول لا يحتاج منك الى تركيز شديد ، مثل محاولة حل خلافات الأطفال البسيطة و التي تكرر بصفة يومية ، و الثاني ارفع درجة حيث يصاحبه الوعي بالأذن ، و الثالث يتطلب الوعي بالقلب بعد الأُذن ، و هذا ما نحتاج اليه عند سماع القرآن الكريم لتحصيل الفائدة المرجوة .
- معرفة انماط الشخصية أيضاً يعين كثيراً في فهم من تختلف معه ، فهناك من يمتازون بالتقليد و يتندرون بكل ما حولهم ، و هناك من يبحثون عن الأمن و الاستقرار و هم متشائمون و يركزون على العادات و التقاليد ، و هناك الباحثين عن الهوية و من صفاتهم التغيير و الجدلية و ديمومة البحث ، و هناك الباحثين عن المعرفة و هم يتميزون بالمعرفة و التحدي و عندهم قدرة على تأصيل المعرفة و البحث فيها .
و عموما هذا و هو من جهد البشر في التحليل لأنماط الشخصية على ضوء العلوم الحديثة من مثل البرمجة اللغوية العصبية و ما الى ذلك لا نقبله كلية و لا نرفضه كلية ، و الحكمة ضالة المؤمن .
صور مضيئة من أدب الخلاف عند السلف :
وإليك - أخي القارئ - بعض الأمثلة التطبيقية من سيرة علمائنا الأجلاء ؛ لتعرف كيف كان السلف يختلفون :
(أ) لما كتب الإمام مالك الموطأ أراد أبو جعفر المنصور أن يحمل الناس جميعاً عليه ، فأبى مالك - يرحمه الله - فقال : يا أمير المؤمنين أن أصحاب رسول الله قد تفرقوا في الأمصار ، ومع كل منهم علم ، فدع الناس وما اختار أهل كل بلد لأنفسهم .
(ب) وكان الإمام أحمد يرى أن خروج الدم ينقض الوضوء ، ولكنه سئل : أتصلي خلف رجل احتجم ولم يتوضأ ؟ قال : سبحان الله ! كيف لا أصلي خلف مالك ابن أنس وسعيد بن المسيب .
(ج) وورد عن الشافعي - يرحمه الله - أنه صلى مع جماعة من الأحناف في مكان قرب قبر أبي حنيفة فترك القنوت في صلاة الصبح مع أنه سنة مؤكدة عنده .
(د) وصلى أبو يوسف خلف هارون الرشيد ، وقد احتجم ، وأفتاه مالك بعدم وجوب الوضوء ، فصلى خلفه أبو يوسف ، ولم يعد الصلاة مع أن مذهبه أي أبي يوسف أن الحجامة تنقض الوضوء .
** ادب الحديث وكيف نختلف **
للحوارا مع بعضنا البعض له اهميه خاصه، فنحن مسلمين اولا واخيرا وبالتالي فالأخ عندما يختلف مع اخاه عليه ان يدرك انه يتكلم مع اخ له في الدين ,وهذه الاخوة لها ضوابط وشروط ومواصفات وليست نظريات نرددها في اليوم مرات ومرات, ومن ضمن هذه الضوابط العملية هي ادب الحديث.
اولا - نعمة البيان:
من اجل النعم التي انعم الله بها على البشر هي نعمة البيان وجعل اللسان هو العنصر الرئيسي في هذه العملية. يقول الله تعالى : الرحمن علم القرآن خلق الانسان علمه البيان.
- فكل كلام يصدر عن الانسان فهو يعبر عن حقيقة تفيكره وتكوين نفسيته وطبيعة اخلاقه,وهذا يتطلب منه ان يكون صاحب سجية طيبة بعيدا عن اللغو والكلام البذئ,ولابد للانسان ان يسال نفسه عند كل حديث همل مناسب ان اتكلم الان وفي ماذا اتكلم وباي اسلوب اتكلم.
- قال ابن مسعود رضي الله عنه :والذي لا اله غيره ماعلى ظهر الارض شيئ احوج الى سجن من طول لسان.
- اما الصراخ والالفاظ القاسية دليل على الافلاس والفراغ والفشل مثل الطبل اذا ضربته صرخ بصوت عال واذا فتحته وجدته فارغا.
ثانيا - التحكم باللسان: -
الانسان العاقل هو القادر على التحكم بلسانه والفاظه اما الاحمق فهو صاحب اللسان السائب وهو مربوط بحبل الشيطان يجره كيفما يشاء ومتى شاء .
- قال صلي الله عليه وسلم :لايستقيم ايمان عبد حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه.
- فعلى المسلم ان يعود لسانه على الالفاظ الجميلة والتعبير الحسن واللفظ الرقيق لان الكلمة الطيبة تاسر القلوب وهي اسرع بريد للقلوب, فكم من حروب وفتن كانت بسبب كلمة لم يلقي لها بالا صاحبها. قال الله تعالى: وقولوا للناس حسنا
- روي عن الامام مالك انه بلغه عن يحيى بن سعيد ان عيسى عليه السلام مر بخنزير على الطريق فقال له انفذ بسلام, فقيل له تقول هذا لخنزير ,فقال اخاف ان اعود لساني النطق بالسوء.
- ومما يؤسف له ان تجد بعض المسلمين شرسين في طباعهم غلاظ في السنتهم فتحكمت الجاهلية بهم فلا يشبع غله الا المضي بالسفه والشطط على الاخرين.
- فكم من المسلمين اطلق للسانه العنان في اخوانه فلا يترك لفظا قاسيا الا ويطلقه ويتخير اقسى العبارات ,واذا نصحته تاخذه العزة بالاثم والانكى انه يقول لك لاعصمة لشخص في الاسلام عندها لاتملك الا ان تتلوا عليه
قول الله تعالى: وعباد الرحمن الذين يمشون على الارض هونا واذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما.
- وليس المصود ان يكون المسلم بليد الاحساس تهون عليه نفسه وكرامته بل لابد من الرد على من يمتهن كرامتنا ويسئ الى ديننا لكن ذلك يحتاج الى دقة في التمييز مابين هذا وذاك واختيار الالفاظ المناسبة ووضعها في المكان المناسب.
ثالثا- الوعي لمراحل الحوار:
- لابد للمسلم ان يكون متنبها للحوار فيعرف متى يكون حوارا هادفا بناء ومتى يصبح جدالا وخصام فهذه مرحلة نهى عنها الشرع.
- قال ص:من ترك المراء وهو مبطل بني له بيت في ربض الجنة ومن تركه وهو محق بني له في وسطها ومن حسن خلقه بني له في اعلاها.
- وقال ص: ان ابغض الرجال الى الله الالد الخصم.
- وقال ص : ماضل قوم بعد هدى كانوا عليه الا اوتوا الجدل.
بعض الاداب التي يجب ان نتحلي بها عند الخلاف:
في ضوء ما سبق يمكننا أن نستخلص بعض الآداب التي يجب أن نتحلى بها عند الخلاف .
أولاً : بداية ينبغي على المسلمين أن يحاولوا أن لا يختلفوا ما أمكنهم ذلك ، لأن الخلاف شرّ والفرقة عذاب .
ثانياً : فإذا ما وقع الخلاف فإن القاعدة في ذلك هي قوله - تعالى - : { وما اختلفتم من شيء فحكمه إلى الله } . فلا بدّ من الردّ إلى كتاب الله وسنة رسوله .
ثالثاً : فإن حدث نتيجة اختلاف الأفهام أن بقي خلاف بعد ذلك ، فإن الخلاف في مسائل الفروع لا يُوجد فرقة ولا شقاقاً !! ويمكننا أن نستخلص من سيرة السلف الصالح ما يلي :
-1أنهم كانوا يختلفون ومع ذلك كانوا متحابين متآخين ، فعلى سبيل المثال اختلف أبو بكر وعمر في مسائل مثل سبي المرتدين ، وقسمة الأراضي المفتوحة ، والمفاضلة في العطاء ، ومع ذلك لم يكن بينهما إلا الود والمحبة ، وحينما استخلف أبو بكر عمر وأخذ بعض الناس يخوفونه بالله ، وأنه ولى عليهم فظاً غليظاً ، ويقولون له : ماذا تقول لربك غداً فيقول - رضي الله عنه - " أقول اللهم إني استخلفت عليهم خير أهلك " .
-2كان يُقر بعضهم بعضاً ، ولا يُنكر بعضهم على بعض . يقول ابن أبي العز في شرح الطحاوية بعد كلام له حول هذا الموضوع : " فإن - يرحمهم الله - أقر بعضهم بعضاً ، ولم يبغ بعضهم على بعض ، كما كان الصحابة في خلافة عمر وعثمان يتنازعون في بعض مسائل الاجتهاد ، فيقر بعضهم بعضاً ، ولا يعتدي عليه ، وإن لم يرحموا ، وقع بينهم خلاف مذموم فيبغي بغضهم على بعض إما بالقول مثل تكفيره وتفسيقه ، وإما بالفعل مثل حبسه وقتله .
-3أنهم كان يعذر بعضهم بعضاً في هذه المسائل ، ويقول : لعل له تأويلاً في المسألة ، أو لعلّ الحديث لم يصله ، ولذلك يذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في ( رفع الملام ) : " أننا إن وجدنا لواحد من الأئمة المقبولين قولاً يُخالف حديثاً صحيحاً فلابدّ له من عذر في تركه " . ويقول : " إن جميع الأعذار ثلاثة :
أحدها : عدم اعتقاده أن النبي قاله .
الثاني : عدم اعتقاده إرادة تلك المسألة بذلك القول .
الثالث : اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ .
أهمية الأخوة الايمانية في الاختلاف :
الأخوة نعمة من الله على عباده المؤمنين لأنها رابطة يتعذر أن نجد مثلها في واقعنا المعاصر، فلا مصلحة ولا نفعاً مادياً من ورائها، إنما هي لله فقط، فهي أخوة بين القلوب و الأرواح برباط وثيق لا يمكن فصمه هو رباط العقيدة .
الأخوة من أوثق عرى الإيمان: وتحقيقها عبادة من أعظم العبادات، قال صلى الله عليه وسلم: " من أحب لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان "، وقال عليه الصلاة والسلام: " من سره أن يجد طعم الإيمان فليحب المرء، لا يحبه إلا لله عز وجل" .
وبها تُستجلب محبة الله تعالى: في الحديث القدسي" وجبت محبتي للمتحابين فيًّ، والمتجالسين فيَّ، والمتزاورين فيَّ، والمتباذلين فيَّ".
كما أنها سبيل إلى ظل عرش الله تعالى: فمن السبعة الذين يظلهم الله بظله " رجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه" .
ويقول سبحانه: (إنما المؤمنون إخوة) وإنما تفيد الحصر والمعنى: ليس المؤمنون إلا أخوة قال تعالى: ( وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم).
يقول صاحب الظلال: "ولقد وقعت المعجزة التي لا يقدر عليها إلا الله، والتي لا تصنعها إلا هذه العقيدة، فاستحالت هذه القلوب النافرة، وهذه الطباع الشموس، إلى هذه الكتلة المتراصة المتآخية، الذلول بعضها مع بعض، المحب بعضها لبعض، المتآلف بعضها مع بعض، بهذا المستوى الذي لم يعرفه التاريخ، والذي تتمثل فيه حياة الجنة وسمتها البارزة – أو يمهد لحياة الجنة سمتها البارزة (ونزعنا ما في صدورهم من غل إخواناً على سرر متقابلين). إن هذه العقيدة عجيبة فعلاً، إنها حين تخالط القلوب تلين جاسيها، وترقق حواشيها، وتندي جفافها، وتربط بينها برباط وثيق عميق رفيق، فإذا نظرة العين، ولمسة اليد، ونطق الجارحة، وخفقة القلب؛ ترانيم من التعارف و التعاطف، و الولاء و التناصر، والسماحة و الهوادة، لا يعرف سرها إلا من ألف بين هذه القلوب، ولا تعرف مذاقها إلا هذه القلوب ....
وهذه العقيدة تهتف للبشرية بنداء الحب في الله، وتوقع على أوتاره ألحان الخلوص له والالتقاء عليه فإذا استجابت وقعت تلك المعجزة التي لا يدري سرها إلا الله ولا يقدر عليها إلا الله.
ولقد من الله على عباده - وهو يدعوهم للوحدة وعدم الفرقة – بهذه النعمة الكبرى (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا)
هذه الأخوة المعتصمة بحبل الله نعمة يمتن الله به على الجماعة المسلمة الأولى، وهي نعمة يهبها الله لمن يحبهم من عباده دائماً.
وما كان إلا الإسلام وحده يجمع هذه القلوب المتنافرة، وما كان إلا حبل الله الذي يعتصم به الجميع فيصبحون بنعمة الله إخواناً، تصغر إلى جانبها الأحقاد التاريخية، والثارات القبلية، و الأطماع الشخصية، والرايات العنصرية، ويتجمع الصف تحت لواء الله الكبير المتعال" [الظلال بتصرف يسير].
حقوق الأخوة الايمانية :
الأخوة في الإسلام ليست من نوافل القول، بل هي أساس وعقيدة راسخة في النفس، قال المصطفى -صلى الله عليه وسلم-: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلمٍ كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة" (رواه البخاري ومسلم).
وقد روي عن أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: أن تسلم عليه إذا لقينه، وتجيبه إذا دعاك، وتشمته إذا عطس، وتعوده إذا مرض، وتشهد جنازته إذا مات، وتبر قسمه إذا أقسم عليك، وتنصح إذا استنصحك، وتحفظه بظهر الغيب إن غاب عنك، وتحب له ما تحب لنفسك، وتكره له ما تكره لنفسك".
و عن أنس- رضي الله عنه – أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "أربع من حق المسلمين عليك: أن تعين محسنهم، وأن تستغفر لمذنبهم، وأن تدعو لغائبهم، وأن تجب تائبهم" .
ولقد تكلم ابن تيمية عن (عقد الأخوة) هذا، وبين أن الحقوق التي ينشئها إذا كانت من جنس ما أقره النبي -صلى الله علية وسلم- في أحاديثه لكل مؤمن على المؤمنين فإنما هي: "حقوق واجبة بنفس الإيمان والتزامها بمنزلة التزام الصلاة و الزكاة و الصيام والحج، والمعاهدة عليها كالمعاهدة على ما أوجب الله ورسوله، وهده ثابتة لكل مؤمن على كل مؤمن، وإن لم يحصل بينهما عقد مؤاخاة " [مجموع فتاوى ابن تيمية 11/ 101].
وسائل تنمية الأخوة لتقليل اثار الاختلاف :
لتنمية الأخوة في الله وسائل كثيرة ومتعددة ونجمل منها هنا:
- الحب في الله: فهذا أروع وأعظم أنواع الحب، أن يكون في الله ولله، فلا نفع ولا غرض دنيوياً وراءه، وفي الحديث القدسي: "المتحابون في جلالي لهم منابر من نور، يغبطهم النبيون والشهداء" (رواه الترمذي).
- سلامة الصدر: وسيلة في غاية الأهمية لتقبل ما يبدر عن الآخرين بدون حقد أو ضغينة أو سوء نية، وكذلك لحمل الأقوال والأفعال على معانيها الحسنة.
- قال النبي -صلى الله عليه وسلم- "لا تقاطعوا ولا تدابروا، ولا تباغضوا، ولا تحاسدوا، وكونوا عباد الله إخواناً، لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث" (رواه البخاري).
وعن عبد الله بن عمرو " قيل يا رسول الله، أي الناس أفضل؟ قال: كل مخموم القلب صدوق اللسان، قيل صدوق اللسان نعرفه فما مخموم القلب؟ قال: هو التقي النقي، لا إثم فيه و لا بغي، ولا غل ولا حسد" (رواه ابن ماجة).
- النصح و التواصي: إن المسلم لا يسير في طريق آمن لكنه يسير في طريق محفوف بالمكاره والمز الق والعقبات والفتن، وشياطين الإنس والجن له بالمرصاد؛ فهو أحوج في مثل هذا الطريق إلى من يأخذ بيده يرشده ويبصّره، ويذكّره إذا نسي، ويعينه إذا ذكر، وصدق الله العظيم إذ يقول: (والعصر* إن الإنسان لفي خسر* إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر).
ولابد من أن نشير هنا لبعض آداب التواصي والنصح: كأن يكون سراً، وبالحكمة والموعظة الحسنة، وبأسلوب رقيق، يقول بعض السلف" أد النصيحة على أكمل وجه واقبلها على أي وجه".
- معرفة الفضل : قال تعالى: (ولا تنسوا الفضل بينكم) فمعرفة المسلم لفضل أخيه، بل ومحاولته البحث له عن فضل تجعله يحبه، ويتقبل منه، ويسمع له بدلاً من أن ينفر منه، ويتجنب لقاءه ، فإذا بحث كل واحد منا عن فضل لأخيه؛ فسوف يزدهر العمل، ويحس بقيمة أخيه وتأثيره و فضله.
- المصارحة والمكاشفة: فهي تزيل عن القلب موانع تعطل تيار الأخوة مادامت تؤدى بطرقها السابق ذكرها، فلابد للمسلم من أن يصارح أخاه بما في صدره، فربما وجد عنده إجابة شافية تكفيه مؤونة الإرهاق الذهني والقلق، والتوتر الذي يؤثر حتماً على سلامة الصدر، وكذلك على المسلم أن يصارح بما يعتريه من تساؤلات أو شكوك دون أدنى حرج.
ولنا في الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه الأسوة في ذلك، ففي بيعة العقبة الثانية وقف أبو الهيثم بن التيهان يصارح و يكاشف، ويستفسر من الرسول -صلى الله عليه وسلم- عما يجول في نفسه؛ فقال: يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال – يعني اليهود – حبالاً ، وإنا لقاطعوها، فهل عسيت إن فعلنا ذلك، ثم أظهرك الله، أن ترجع إلى قومك و تدعنا؟ قال كعب بن مالك: فتبسم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ثم قال: "بل الدم الدم ، و الهدم الهدم، أنا منكم و أنتم مني، أحارب من حاربتم، و أسالم من سالمتم"، فهذه قمة المصارحة و المكاشفة حتى لما يجول في أغوار النفس، وقد تقبلها النبي -صلى الله عليه وسلم- برحابة صدر، وذلك درس في واجبات القيادة لتقبل المصارحة والمكاشفة بسلامة صدر، والعمل على إزالة ما قد يكون قد التبس على أذهان إخوانهم.
- التسامح و التراحم: يجب أن يكون ديدن العاملين للإسلام هو التسامح و التراحم حتى لمن ظلمهم، فينبغي أن يعذر بعضنا بعضاً، وأن يسامح بعضنا بعضاً، وأن نتراحم فيما بيننا. وصدق الله العظيم إذ يقول: (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك) [آل عمران:159]. وفي الحديث "من اعتذر إلى أخيه المسلم فلم يقبل منه كان عليه مثل خطيئة صاحب مكس" (رواه ابن ماجة) وفي رواية " من تنصل إليه فلم يقبل لم يرد الحوض" ( الطبراني ).
وسائل حماية الأخوة:
- إدراك أهميتها: على كل مسلم أن يدرك أهمية الأخوة، وأن يكون كل مسلم عمقاً استراتيجياً لأخيه؛ يحميه، ويؤازره، ويدرك أنه كثير بإخوانه مع إدراك الثواب الجزيل لهذه النعمة.
- معرفة فقه الخلاف : نحن يمكن أن نختلف وأن تتباين وجهات نظرنا دون أن يحنق أحدنا على الآخر أو يحمل لأخيه أية ضغينة، بل نتبع القاعدة الذهبية لصاحب المنار التي تقول : " لنتعاون فيما اتفقنا عليه وليعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه".
- استصحاب فقه الأولويات: فقد يكون رأيي صواباً ولكن هناك ما هو أولى منه في مرحلة ما، فإذا عرفنا ذلك عذرنا بعضنا بعضاً، وقوينا من أخوتنا وأعنا بعضنا بعضاً على المهام الموكلة لكل منا.
- رفع سقف الخلاف: فينبغي أن نحسن الظن ببعض، وأن تتسع صدورنا للنقد البناء، وأن يعمل كل منا على احتواء الخلاف من جانبه، وكأنه هو المسؤول عن ذلك، وهذا لهدف أسمى وأرفع وأنبل، وهو إثراء روح الأخوة.
- رفع مستوى الحوار: لابد من أن يحرص كل منا على نفس أخيه، و ألا يجرحه، وأن يراعي معه أدب الحديث، وألا تكون الأخوة مرادفاً لعدم الحرص في الحديث أو الابتذال فيه، أو زوال الفوارق السنية والاجتماعية، فلا بد من أن نرقى بأسلوب حوارنا، وأن يحترم كل منا الآخر، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا".
ثمار الأخوة في الله وآثارهاالطيبة:
أولاً: على مستوى العمل الجماعي: لاشك في أن روح الفريق ستجعل من كل فرد شعلة نشاط يبذل كل ما في وسعه، ويأخذ بكل الوسائل لإنجاح ما يعد له "مثل اليدين تغسل إحداهما الأخرى".
كما سيعمل على تنفيذ ما أعد له هو وإخوانه؛ فسيكونون جميعاً على قلب رجل واحد لتنفيذ ما اتفق عليه، متناسين أي خلاف قد يكون نشأ في مرحلة ما.
ولا شك في أن أي صف يعمل الجميع به -قيادة وجنوداً- بقلب رجل واحد، متجردين لله ولا يرجون من إنسان جزاء ولا شكوراً، أقدر على تحقيق أهدافه كلها بإذن الله؛ فلقد حقق المسلمون الأوائل ما حققوه لعقيدتهم الراسخة وإيمانهم الوثيق بالله، ثم بأخوتهم التي أرساها المصطفي -صلى الله عليه وسلم- حين آخى بينهم.
كما تعزز الأخوة وحدة الصف بكل معانيها، كما قال تعالى : (إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص)، فروح الأخوة ستجعله صفاً واحداً يصعب اختراقه وتدميره.
ثانياً على المستوى الفردي: إن أول المستفيدين من روح الأخوة هو الفرد نفسه، إذ يستشعر أنه ليس وحيداً، وأن معه إخوانه يساعدونه على تقوى الله، وعبادته، وطاعته؛ فقد جاء في الحديث "إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية".
كما سيجد فيهم خير الأصحاب؛ فهو إذا ذكر الله أعانوه، وإذا نسي ذكروه.
وعندما يختلط المسلم بإخوانه سيكتسب منهم خبرات، وتجارب متنوعة في شتى المناحي، وسيرتفع بذلك مستوى أدائه في المجالات جميعاً: دعوية، ودنيوية، ومهنية. قال تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى).
كما سيجد الفرد من بعض إخوانه -ولا أقول كلهم- قدوة حسنة، تقربه من ربه، وتزرع فيه خصالاً، يحاول الوصول إليها دون جدوى، وذلك من خلال معايشته لهم؛ بل سيقتدي بهم في مختلف الأحوال والأوقات؛ فيكتسب قدرات لا تقدر بثمن.
وتعين الأخوة الفرد على الثبات، ذلك أن من يسير في طريق الدعوة إلى الله يكون -بطبيعة الحال- عرضة لملاقاة الأذى، والابتلاء، والفتن، فالطريق محفوفة بالمكارة، مليء بالعقبات، والمسلم في حاجة لإخوانه، وقلوبهم معه، يعينونه على مكاره الطريق، ويتواصون معه بالحق.
ثالثاً: على مستوى المجتمع: المجتمع الذي يكون أعضاؤه على قدر كبير من المحبة و التعاون، ويعرف كل منهم حقوقه وواجباته، يكون في مستوى متميز، حتى لو كان هؤلاء الناس قلة؛ لأنهم سيكونون قدوة، وسيؤثرون في المجتمع، وسيتأثر بهم المجتمع، وسيرتفع مستواه الإيماني والعلائقي والثقافي .. إلخ، مما سيؤثر على إنتاجه في جميع المستويات والجوانب.
هذا المجتمع سيقف في وجه أشد الصعاب، فلقد صمد الصحابة في شعب أبي طالب، وأبلوا بلاءً حسناً، بإيمانهم ثم بأخوتهم الفذة، كما صمد المسلمون في المدينة أمام التحديات الداخلية والخارجية، وجاهدوا أفضل الجهاد.
واجهوا في بدر وأحد و الخندق أكبر التحديات، وكانت أكبر عدة لهم، بعد الله ثم إيمانهم الراسخ هي أخوتهم، ووحدة صفهم وتماسكه؛ فلقد ذاب كل واحد منهم في المجموع، فتشكلت قوة واحدة منهم يصعب اختراقها؛ بل كان النصر حليفها.
كما أن المجتمع المتحاب أفراده سيكون من القوة بمكان ليقف في مواجهة شتى التحديات، أو على الأقل الخروج بأقل الخسائر؛ لأن هذه المجموعات ستشيع هذه الروح في أسرها وجيرانها وأصدقائها من خلال فهمها الصحيح للإسلام، وبعملها به، فما بالنا لو كان المجتمع كله على هذه الدرجة العالية من الأخوة والحب في الله؟.
رابعاً: على مستوى غير المسلمين : حبنا لبعضنا بعضاً وأخوتنا وروابطنا الإسلامية العظيمة تثير غيظ أعداء الإسلام مهما حاولوا إخفاء ذلك؛ لأن هذا الجانب الروحي قل -إن لم ينعدم- في مجتمعاتهم المادية.
وإذا وجد أعداؤنا أننا على درجة عالية من الحب والأخوة سيهابوننا، أما تفرقنا وتشرذمنا الآن فهو برد وسلام على قلوبهم، قال سبحانه :(لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله).
و إذا رأى أعداؤنا فينا القوة والصلابة العقدية، والأخوة الملتحمة؛ فسيؤثر ذلك حتماً فيهم، ويضعفهم معنوياً، إذ كيف يحاربون مجتمعاً متحاباً متعاوناً على قلب رجل واحد؟
ومن جانب آخر؛ فإن غير المسلمين إذا وجدوا فينا الصورة المشرقة للإسلام ومثله العليا؛ فربما اتجهوا إلينا لأن الإسلام دين الفطرة.
فالواجب علينا إذاً أن نقدم لهم الصورة المشرفة للأخوة الإسلامية كما قدمها أسلافنا، وفتحوا بسلوكهم المتآخي كثيراً من بقاع العالم.
اخلاقيات الحديث
- ان ديننا يمتلك ثراثا ضخما من النصوص حول ادب الحديث التي هي ضرورية لتحقيق الاخوة والمودة والمحبة والاتحاد
بحثت عن الاديان كلها ------ وجبت بلاد الله غربا وشرقا
فلم ار كالاسلام ادعى لالفة ---- و لامثل اهليه اشد تفرقا
- تجد الكثيرين يتحدثون عن ادب الحوار والاختلاف لكن القليل هم الذين يلتزمون بهذه الاخلاق ,فكم نطالب الاخرين بها لكن ما ان نختلف معهم حتى نكون اول من يتخلى عن هذه الاخلاق .
- وحتى تصبح هذه الاخلاق سجية من سجايانا لابد من تعويد النفس عليها لتصبح عبادة وعادة فهي عبادة نتقرب بها الى الله وهي عادة ندرب النفس عليها .
- كما يجب ان يدرك المسلم ان الاسلام اوسع مما يظن البعض الذين يضيقون الاسلام ويتشددون على الناس وكان قولهم ورايهم هو القول الفصل وهو الميزان الذي يجب ان يزن به كل الناس , ان امثال هؤلاء مثل ملك فقد طائرا له فاصدر اوامره باغلاق كافة ابواب المدينة للبحث عن الطائر فنسي ان للطائر جناحان يحلق بهما في الفضاء الواسع .
- ومن الخطا الفاحش ان نتعامل مع الناس على قاعدة اما معي او ضدي فمن تبعني فهو قديس ومن خالفني فهو ابليس.
- ومن الخطا اعتماد احادية القول فلا صواب الا مانقول وكل من خرج عن اجتهادنا فهو على ضلال ,فينطبق علينا . قول الله تعالى: ما اريكم الا ما ارى وما اهديكم الا سبيل الرشاد.
- ان الامة الاسلامية بحاجة الى العودة الى الاسلام الصحيح بعيدا عن كل اشكال التحجر والجمود والوقوف عند لحظة من الزمن او الوقوف عند قول معين وكان قول البشر عصمة لايجوز تجاوزها .
- فلا يجوز لمسلم ان ينصب نفسه على انه الوريث الوحيد لهذا الدين ان هؤلاء انما اختزلوا الاسلام بانفسهم واسلوبهم وطريقتهم ونصبوا انفسهم قضاة على البشر ولو سمحت لهم الظروف لكانوا هم الجلادين ايضا.
- فلا يجوز لمسلم كان من كان ان يصنف المسلمين على هواه طالما ان المسلمين مرجعيتهم كتاب الله وسنته ومصادر التشريع المتفق عليها او المختلف حولها .
- فليشتغل المسلمين بتعلم دينهم ونشره وتبليغه والاهتمام بهموم الامة المهددة بكيانها بدل ان يشتغلوا باخوانهم.
- روى البخاري ومسلم .قال ص: ان العبد ليتكلم بالكلمة مايتبين فيها يزل بها في النار ابعد مما بين المشرق والمغرب .
و الخلاصة: إذا ازدهرت شجرة الأخوة وترعرعت ونمت؛ فلابد من أن تنمو شجرة العمل وتزدهر، وتعطي حينها أطيب الثمار. ومن هنا علينا جميعاً -وعلى المخلصين العاملين للإسلام خاصة- أن يعملوا على ازدهار شجرة الأخوة ، وعلى حمايتها، وصيانتها من الهجمات الشرسة التي تعمل على اقتلاعها. إننا في حاجة لهذه الروح وهذا الفقه؛ ليسري في جسد الأمة، فتبعث فيه الحياة بعد طول رقاد.
فلقد انتصر المسلمون في بدر وهم قلة مؤمنة تتمتع بقدر عال من التربية والأخوة، لكنهم انهزموا في حنين على كثرتهم، ذلك أن الكثرة قد تحوي الخَبث الذي سرعان ما ينزوي عندما يواجه محنة أو اختبار.
والحمد لله رب العالمين ,,,,
نقله وجمعه اخوكم أبومريم
للاستفادة
وطلعت عيني للتجميع والضبط والتنسيق
يعني الدعاء إجباري لي وولكل من خط بقلمه وإبداعه فكرة من أفكار البحث
ونسال الله ان يلقى هذا البحث التفصيلي آذان واعية وعقول مستنيرة فاهمة
يقول الله - عز وجل - : { إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون } . يقول الرسول ، صلى الله عليه وسلم : " لا تختلفوا فتختلف قلوبكم " . متفق عليه كيف نتعامل بعضنا مع بعض؟ وكيف يفهم بعضنا بعضاً؟ وكيف يعذر بعضنا بعضاً؟ وكيف يحب بعضنا بعضاً؟ يل وكيف نختلف بعضنا مع بعض، تحت مظلة الحب في الله؟.
إن العمل الإسلامي في حاجة ماسة لهذا الفقه حتى لا يتسع الخلاف بين أفراد الصف الواحد، وحتى لا تضيع جهودنا جميعاً، فالأخوة ليست شعاراً يرفع ولا كلمات تردد، ولكنها عمل وفعل وتطبيق، إنها نظام حياة، وتعاون، وتكامل، وتكافل، إنها المرآة التي يرى كل منا فيها نفسه بصراحة، وشفافية ووضوح، وهي اليد التي تغسل الأخرى.
فإذا وصلنا إلى هذا المستوى؛ نكون قد وضعنا أقدامنا على أول طريق النصر المأمول، ولنا في المصطفى -صلى الله عليه وسلم- القدوة حين بدأ بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار كخطوة أساسية وأولية بعد ترسيخ العقيدة والإيمان في النفوس.
لم يكن شيء أبغض إليه ، صلى الله عليه وسلم ، بعد الكفر من الاختلاف والتنازع ، ومن أجل ذلك ، قال : " الجماعة رحمة والفرقة عذاب " . [ رواه أحمد ] . وجعل الخلاف والنزاع هو سبب الهلاك ، فقال : " إنما هلك بنو إسرائيل بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم " . [ رواه مسلم وأحمد ] . ولقد كره سلفنا الصالح الخلاف والشقاق واعتبروه شراً لا خير فيه . قال ابن مسعود - رضي الله عنه - : " الخلاف شر " .
ولكن مشيئة الله - سبحانه وتعالى - قد اقتضت أن تتفاوت العقول ، وتتباين المدارك ؛ مما يؤدي إلى تعداد الآراء والاجتهادات ، وقد أشار القرآن الكريم إلى أن الخلاف بين البشر من سنن الله الكونية . قال - تعالى - : { ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم } .
نود أن نشير هنا إلى أن الاختلاف الذي يقع بين الأمة منه ما يكون في أمور العقيدة والأصول ، ومنه ما يكون في مسائل الفروع والأحكام ، ولا خلاف في أنه بالنسبة للنوع الأول لابد من الإنكار على من خالف العقيدة الصحيحة ، ولابد من دحض شبهات أصحابه ، فهذه الأمور قد بينها الله ورسوله أجلى بيان ، والمخالف فيها مخالف لأمور قطعية لا تقبل النقاش والجدال . وأما النوع الثاني فهو الذي نقصده بحديثنا هنا ، ونُريد أن نبين شيئاً من الأدب الذي كان يلتزمه السلف الصالح إذا ما وقع بينهم شيء من هذا الخلاف . يقول الشيخ رشيد رضا في تقدمته لكتاب ( المغني ) لابن قدامة : " ولما كان الاختلاف في الفهم من طبائع البشر خصّ الاختلاف المذموم بما كان عن تفرقة أو سبباً للتفرق ، وجرى على ذلك السلف الصالح فحظروا فتح باب الآراء في العقائد ، وجعلوها في الفروع ، وكان بعضهم يعذر بعضاً في المسائل الاجتهادية ولا يكلفه موافقته في فهممه " . اهـ .
** أدب الخلاف من خلال كتاب الله **
إننا نلمح في كتاب الله - عز وجل - إشارات إلى أدب الخلاف ، فمن ذلك ما رواه البخاري عن عبد الله ، قال : كاد الخيّران أن يهلكا أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما - رفعا أصواتهما عند النبي ، صلى الله عليه وسلم ، حين قدم عليه ركب من بني تميم ، فأشار أحمدهما بالأقرع بن حابس ، وأشار الآخر بالقعقاع بم معد بن زرارة ، فقال أبو بكر لعمر : ما أرد إلا خلافي ، قال عمر : ما أردت خلافك ، فارتفعت أصواتهما في ذلك ، فأنزل الله - تعالى - : { يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي } . الآية . .
قال ابن الزبير : " فما كان عمر يسمع رسوله الله ، صلى الله عليه وسلم ، يعد هذه الآية حتى يستفهمه " . وهذا النص يوضّح لنا كيف نختلف في الرأي ومع ذلك لا يعتدي بعضنا على بعض ، ولا ترتفع أصواتنا عند الخلاف . ومن ذلك قوله - تعالى - : { ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله . . } . الآية . .
وكانوا قد اختلفوا في قطع الأشجار ، فقطع قوم وترك آخرون ، فجاء القرآن مُقراً لكليهما غير مُعنف لأي منهما . ومن ذلك قوله - تعالى - : { وداود وسليمان إذ يحكمان الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين . ففهّمناها سليمان وكلا آتينا حكماً وعلماً . . } الآية . . فخص سليمان بالفهم ، وأثنى عليهما بالحكم والعلم ، ومن هذين النصين نستخلص : أن القرآن الكريم يذكر طائفتين اختلفا ، ومع ذلك لا يذمّ واحدة منهما ؛ ليعلّمنا أنه في مثل هذه الأمور ينبغي أن يقرّ بعضنا بعضاً . وفي قصة سليمان وداود ما يشير - والله أعلم - إلى أن الرأيين ليسا متساويين ، بل حكم سليمان أصوب ؛ لأنه خص بالفهم ، ومع ذلك أثنى عليهما جميعاً بالحكم والعلم .
** أدب الخلاف في السنة النبوية **
وقد نجد في سنة رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، ما يعلّمنا أدب الخلاف - أيضاً - ، فمن ذلك ما أخرجه البخاري ومسلم من أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال يوم الأحزاب : " لا يُصلين أحدكم العصر إلا في بني قريضة " . فأدرك بعضهم العصر في الطريق ، فقال : لا نصلي حتى نأتيها ، أي ديار بني قرضية ، وقال بعضهم : بل نصلي . لم يُرد منا ذلك ، ذكر ذلك للنبي ، صلى الله عليه وسلم ، فلم يعنف واحداً منهما .
فها هنا فريقان فريق تمسك بظاهر النص فأبى أن يصلي إلا في بني قريظة ، حتى لو خرج وقت الصلاة ، وفريق استنبط من النص معنى خصّصَه به ، ففهموا أن المقصود هو الإسراع فصلوا في الطريق وأسرعوا ، ومع ذلك لم يعنف رسول الله أياً منهما ، وقد ذكر ابن القيم - يرحمه الله - في زاد المعاد : أن كلاًّ من الفريقين مأجور بقصده ، إلا أن من صلى حاز الفضيلتين : امتثال الأمر في الإسراع ، وامتثال الأمر في المحافظة على الوقت . . إنما لم يعنف الذين أخروها ؛ لقيام عذرهم للتمسك بظاهر الأمر ، ولأنهم اجتهدوا . . لكنهم لم يصلوا إلى أن يكون اجتهادهم أصوب من الطائفة الأخرى . ونود التركيز هنا على كون إحدى الطائفتين أصوب من الأخرى ، لأن معنى ذلك أن ترك الإنكار لا يكون فقط ، إذا كان القولان متساويين ، بل حتى لو كنت ترى قولك أصوب من الآخر . ومن ذلك قوله ، صلى الله عليه وسلم ، يُنبههم إلى ترك القراءة إذا ما حدث خلاف في بعض أحرف القراءة ، أو فهم بعض المعاني حتى لا تختلف القلوب ، ويحدث الشقاق والنزاع .
**بعض مظاهر الاختلاف **
الاختلاف ، قد يكون من ورائه خيراً كثيراً ، فقد اختلف فهم الصحابة لمراد الحبيب صلى الله عليه و سلم بالحرص على صلاة العصر في بني قريظة ، ففتح ذلك أبواب من المرونة الفقهية ، لا زالت تنتفع بها الأمة الى يومنا هذا .
- و كذلك اختلفت الملائكة فيمن قتل مائة نفس –إن صحت الرواية- بأيتُها يُلحق ، الأرض التي ارتكب فيها كل هذه المعاصي ، ام للبلدة التي اراد الهجرة اليها تائباً الى الله تعالى ، فجاء الفرج و الخير من جراء هذا الاختلاف ، ان اوحى الله تعالى للأولى أن ابتعدي ، و للثانية ان اقتربي ، و لحِقتُه رحمة الله تعالى .
- من سمات اهل الباطل عند الاختلاف ، و التي لا تتغير و لا تتبدل بإختلاف العصور و الزمان ، الهجوم على صاحب الحق ، و عدم مناقشة الحجة بالحجة ، و التهديد بالسجن ،و الاتهام بالسحر ، و شتى التهم الباطلة ، كما فعل فرعون مع موسى عليه السلام ، و لينسحب هذا الاتهام على سحرته بعد إيمانهم ، و يضيف اليه التهديد بالتعذيب و الصلب ، و التآمر من موسى لإخراج القوم من أرضهم ، لا يثبت بذلك الا ضعفه و عجزه ، و من سماتهم أيضاً إما انك معي او انك ضدي (لئن اتخذت إلها غيري...) .
- هناك من يضع لك شروطاً تعجيزية عند الاختلاف ، إذا اردت محاورته و دعوته لما يقرب بينك و بينه ، و ذلك من مثل ما واجهه الحبيب صله الله عليه و سلم حين ساله قومه أن يفجر لهم الأرض ينابيع ، او تكون له جنة من نخيل و اعناب او يسقط السماء عليهم...الخ ، و لكل قوم وارث ، مثل هؤلاء لا حيلة معهم الا الاقتداء بالحبيب صلى الله عليه و سلم (فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا و الآخرة ، و إن تردوه عليّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني و بينكم) .
- و هناك من تحتاج الى ان تفكر كثيراً كثيراً قبل التحاور إذا اختلفت معهم ، و هم من عبر عنهم فضيلة الشيخ سلمان العودة بقوله (البعض منّا لا يحسن الابداع الا في خلق مشكلات وهمية ، ما إن ينتهي من مناقشتها حتى يعيد تصنيعها ليعالجها مرة اخرى مما يُغيبه عن مشكلاتنا الجادة التي تستحق منا المعالجة الحقيقية لا الوهمية ) .
- قبل الحوار علينا ان نتحرر من قيود المدح و الذم فلا يكون للأول اثر كبير في مواصلة الحوار ،و لا يقعد بنا الثاني ، فالتجرد و الاخلاص لله تعالى من اهم الأسباب التي تُعين على الوصول الى الحق ، و علينا و كما أشار د. ميسرة طاهر الراشد أن نميز بين السلوك الذي قد يصدر و يؤلمنا و بين الشخص نفسه ، و الا تكون ساحة الحوار ساحة لإلتقاط الأفكار دون الصبر على صاحبها ليزيدها وضوحاً ، فنضخم بذلك امورأً ما كانت تستحق منا ذلك ، و اشار ايضاً الى أهمية الدعاء ، حيث يُحسن العقل و عمل الذاكرة و يبعث على الأمل و يمنح الشعور بقبول الآخر بعكس الدعاء على المخالف ، و يضع المرء في حجمه الطبيعي .
-الخلافات ربما تكون بسبب إشاعة مغرضة، أو بسبب قول لم يتثبت منه صاحبه، أو بسبب انطباع سيئ لم يكن مبنياً على علم صحيح إلى غير ذلك من الأشياء التي توغر صدور المؤمنين بعضهم على بعض، دون أن تكون مبنية على فهم صحيح للآخر، وقد تفهم هذا الإنسان من خلال كتاب أو موقف معين؛ بينما الحقيقة قد تكون أوسع وأبعد من ذلك.
إتقان مهارات التواصل مع الآخرين يعين كثيراً في حل الخلافات ، او تقليل مساحتها ، و يشير أرباب هذا العلم انه على المرء ان يخصص 45% من الوقت للإستماع ، 30% للتحدث ، 16% للقراءة ، و 9% للكتابة ، و كان الجاحظ يعلم ابنه بقوله (يا بنيّ تعلم حسن الإستماع كما تتعلم حسن الحديث ، و ليعلم الناس منك أنك احرص على ان تسمع على ان تقول ) .
- إدراك ان النفس تحتوي أربع مناطق او مساحات ،الأولى ، منطقة اعرفها عن نفسي و يعرفها الآخرون كالشكل و العمر و مكان العمل ، و ما الى ذلك .الثانية ، ما يعرفه الآخرون و لا اعرفه أنا ، مثل وجود شئ من الأنانية او الأهمال او تفضيل احد الأولاد عن الآخر . الثالثة ، منطقة اعرفها و لا يعرفها غيري ، كاسرار العمل ، اشياء بداخل كلٌ منّا ، و هكذا .الرابعة ، منطقة الذات المعتمة ، و هي ما لا اعرفه انا و لا يعرفه الآخرون ، و هي منطقة اللاوعي و التي احياناً تحرك سلوكنا ، قد تظهر إذا اتت ظروف مناسبة ، احياناً يندهش الآخرون كيف صدر هذا الفعل منّا .
- عند الاختلاف ، عليك ايضاً ان تحدد و بدقة حرصاً على جهدك و وقتك ، هل انت تحتاج الى السمع فقط ، ام الاستماع ، ام الانصات ، فالأول لا يحتاج منك الى تركيز شديد ، مثل محاولة حل خلافات الأطفال البسيطة و التي تكرر بصفة يومية ، و الثاني ارفع درجة حيث يصاحبه الوعي بالأذن ، و الثالث يتطلب الوعي بالقلب بعد الأُذن ، و هذا ما نحتاج اليه عند سماع القرآن الكريم لتحصيل الفائدة المرجوة .
- معرفة انماط الشخصية أيضاً يعين كثيراً في فهم من تختلف معه ، فهناك من يمتازون بالتقليد و يتندرون بكل ما حولهم ، و هناك من يبحثون عن الأمن و الاستقرار و هم متشائمون و يركزون على العادات و التقاليد ، و هناك الباحثين عن الهوية و من صفاتهم التغيير و الجدلية و ديمومة البحث ، و هناك الباحثين عن المعرفة و هم يتميزون بالمعرفة و التحدي و عندهم قدرة على تأصيل المعرفة و البحث فيها .
و عموما هذا و هو من جهد البشر في التحليل لأنماط الشخصية على ضوء العلوم الحديثة من مثل البرمجة اللغوية العصبية و ما الى ذلك لا نقبله كلية و لا نرفضه كلية ، و الحكمة ضالة المؤمن .
صور مضيئة من أدب الخلاف عند السلف :
وإليك - أخي القارئ - بعض الأمثلة التطبيقية من سيرة علمائنا الأجلاء ؛ لتعرف كيف كان السلف يختلفون :
(أ) لما كتب الإمام مالك الموطأ أراد أبو جعفر المنصور أن يحمل الناس جميعاً عليه ، فأبى مالك - يرحمه الله - فقال : يا أمير المؤمنين أن أصحاب رسول الله قد تفرقوا في الأمصار ، ومع كل منهم علم ، فدع الناس وما اختار أهل كل بلد لأنفسهم .
(ب) وكان الإمام أحمد يرى أن خروج الدم ينقض الوضوء ، ولكنه سئل : أتصلي خلف رجل احتجم ولم يتوضأ ؟ قال : سبحان الله ! كيف لا أصلي خلف مالك ابن أنس وسعيد بن المسيب .
(ج) وورد عن الشافعي - يرحمه الله - أنه صلى مع جماعة من الأحناف في مكان قرب قبر أبي حنيفة فترك القنوت في صلاة الصبح مع أنه سنة مؤكدة عنده .
(د) وصلى أبو يوسف خلف هارون الرشيد ، وقد احتجم ، وأفتاه مالك بعدم وجوب الوضوء ، فصلى خلفه أبو يوسف ، ولم يعد الصلاة مع أن مذهبه أي أبي يوسف أن الحجامة تنقض الوضوء .
** ادب الحديث وكيف نختلف **
للحوارا مع بعضنا البعض له اهميه خاصه، فنحن مسلمين اولا واخيرا وبالتالي فالأخ عندما يختلف مع اخاه عليه ان يدرك انه يتكلم مع اخ له في الدين ,وهذه الاخوة لها ضوابط وشروط ومواصفات وليست نظريات نرددها في اليوم مرات ومرات, ومن ضمن هذه الضوابط العملية هي ادب الحديث.
اولا - نعمة البيان:
من اجل النعم التي انعم الله بها على البشر هي نعمة البيان وجعل اللسان هو العنصر الرئيسي في هذه العملية. يقول الله تعالى : الرحمن علم القرآن خلق الانسان علمه البيان.
- فكل كلام يصدر عن الانسان فهو يعبر عن حقيقة تفيكره وتكوين نفسيته وطبيعة اخلاقه,وهذا يتطلب منه ان يكون صاحب سجية طيبة بعيدا عن اللغو والكلام البذئ,ولابد للانسان ان يسال نفسه عند كل حديث همل مناسب ان اتكلم الان وفي ماذا اتكلم وباي اسلوب اتكلم.
- قال ابن مسعود رضي الله عنه :والذي لا اله غيره ماعلى ظهر الارض شيئ احوج الى سجن من طول لسان.
- اما الصراخ والالفاظ القاسية دليل على الافلاس والفراغ والفشل مثل الطبل اذا ضربته صرخ بصوت عال واذا فتحته وجدته فارغا.
ثانيا - التحكم باللسان: -
الانسان العاقل هو القادر على التحكم بلسانه والفاظه اما الاحمق فهو صاحب اللسان السائب وهو مربوط بحبل الشيطان يجره كيفما يشاء ومتى شاء .
- قال صلي الله عليه وسلم :لايستقيم ايمان عبد حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه.
- فعلى المسلم ان يعود لسانه على الالفاظ الجميلة والتعبير الحسن واللفظ الرقيق لان الكلمة الطيبة تاسر القلوب وهي اسرع بريد للقلوب, فكم من حروب وفتن كانت بسبب كلمة لم يلقي لها بالا صاحبها. قال الله تعالى: وقولوا للناس حسنا
- روي عن الامام مالك انه بلغه عن يحيى بن سعيد ان عيسى عليه السلام مر بخنزير على الطريق فقال له انفذ بسلام, فقيل له تقول هذا لخنزير ,فقال اخاف ان اعود لساني النطق بالسوء.
- ومما يؤسف له ان تجد بعض المسلمين شرسين في طباعهم غلاظ في السنتهم فتحكمت الجاهلية بهم فلا يشبع غله الا المضي بالسفه والشطط على الاخرين.
- فكم من المسلمين اطلق للسانه العنان في اخوانه فلا يترك لفظا قاسيا الا ويطلقه ويتخير اقسى العبارات ,واذا نصحته تاخذه العزة بالاثم والانكى انه يقول لك لاعصمة لشخص في الاسلام عندها لاتملك الا ان تتلوا عليه
قول الله تعالى: وعباد الرحمن الذين يمشون على الارض هونا واذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما.
- وليس المصود ان يكون المسلم بليد الاحساس تهون عليه نفسه وكرامته بل لابد من الرد على من يمتهن كرامتنا ويسئ الى ديننا لكن ذلك يحتاج الى دقة في التمييز مابين هذا وذاك واختيار الالفاظ المناسبة ووضعها في المكان المناسب.
ثالثا- الوعي لمراحل الحوار:
- لابد للمسلم ان يكون متنبها للحوار فيعرف متى يكون حوارا هادفا بناء ومتى يصبح جدالا وخصام فهذه مرحلة نهى عنها الشرع.
- قال ص:من ترك المراء وهو مبطل بني له بيت في ربض الجنة ومن تركه وهو محق بني له في وسطها ومن حسن خلقه بني له في اعلاها.
- وقال ص: ان ابغض الرجال الى الله الالد الخصم.
- وقال ص : ماضل قوم بعد هدى كانوا عليه الا اوتوا الجدل.
بعض الاداب التي يجب ان نتحلي بها عند الخلاف:
في ضوء ما سبق يمكننا أن نستخلص بعض الآداب التي يجب أن نتحلى بها عند الخلاف .
أولاً : بداية ينبغي على المسلمين أن يحاولوا أن لا يختلفوا ما أمكنهم ذلك ، لأن الخلاف شرّ والفرقة عذاب .
ثانياً : فإذا ما وقع الخلاف فإن القاعدة في ذلك هي قوله - تعالى - : { وما اختلفتم من شيء فحكمه إلى الله } . فلا بدّ من الردّ إلى كتاب الله وسنة رسوله .
ثالثاً : فإن حدث نتيجة اختلاف الأفهام أن بقي خلاف بعد ذلك ، فإن الخلاف في مسائل الفروع لا يُوجد فرقة ولا شقاقاً !! ويمكننا أن نستخلص من سيرة السلف الصالح ما يلي :
-1أنهم كانوا يختلفون ومع ذلك كانوا متحابين متآخين ، فعلى سبيل المثال اختلف أبو بكر وعمر في مسائل مثل سبي المرتدين ، وقسمة الأراضي المفتوحة ، والمفاضلة في العطاء ، ومع ذلك لم يكن بينهما إلا الود والمحبة ، وحينما استخلف أبو بكر عمر وأخذ بعض الناس يخوفونه بالله ، وأنه ولى عليهم فظاً غليظاً ، ويقولون له : ماذا تقول لربك غداً فيقول - رضي الله عنه - " أقول اللهم إني استخلفت عليهم خير أهلك " .
-2كان يُقر بعضهم بعضاً ، ولا يُنكر بعضهم على بعض . يقول ابن أبي العز في شرح الطحاوية بعد كلام له حول هذا الموضوع : " فإن - يرحمهم الله - أقر بعضهم بعضاً ، ولم يبغ بعضهم على بعض ، كما كان الصحابة في خلافة عمر وعثمان يتنازعون في بعض مسائل الاجتهاد ، فيقر بعضهم بعضاً ، ولا يعتدي عليه ، وإن لم يرحموا ، وقع بينهم خلاف مذموم فيبغي بغضهم على بعض إما بالقول مثل تكفيره وتفسيقه ، وإما بالفعل مثل حبسه وقتله .
-3أنهم كان يعذر بعضهم بعضاً في هذه المسائل ، ويقول : لعل له تأويلاً في المسألة ، أو لعلّ الحديث لم يصله ، ولذلك يذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في ( رفع الملام ) : " أننا إن وجدنا لواحد من الأئمة المقبولين قولاً يُخالف حديثاً صحيحاً فلابدّ له من عذر في تركه " . ويقول : " إن جميع الأعذار ثلاثة :
أحدها : عدم اعتقاده أن النبي قاله .
الثاني : عدم اعتقاده إرادة تلك المسألة بذلك القول .
الثالث : اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ .
أهمية الأخوة الايمانية في الاختلاف :
الأخوة نعمة من الله على عباده المؤمنين لأنها رابطة يتعذر أن نجد مثلها في واقعنا المعاصر، فلا مصلحة ولا نفعاً مادياً من ورائها، إنما هي لله فقط، فهي أخوة بين القلوب و الأرواح برباط وثيق لا يمكن فصمه هو رباط العقيدة .
الأخوة من أوثق عرى الإيمان: وتحقيقها عبادة من أعظم العبادات، قال صلى الله عليه وسلم: " من أحب لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان "، وقال عليه الصلاة والسلام: " من سره أن يجد طعم الإيمان فليحب المرء، لا يحبه إلا لله عز وجل" .
وبها تُستجلب محبة الله تعالى: في الحديث القدسي" وجبت محبتي للمتحابين فيًّ، والمتجالسين فيَّ، والمتزاورين فيَّ، والمتباذلين فيَّ".
كما أنها سبيل إلى ظل عرش الله تعالى: فمن السبعة الذين يظلهم الله بظله " رجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه" .
ويقول سبحانه: (إنما المؤمنون إخوة) وإنما تفيد الحصر والمعنى: ليس المؤمنون إلا أخوة قال تعالى: ( وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم).
يقول صاحب الظلال: "ولقد وقعت المعجزة التي لا يقدر عليها إلا الله، والتي لا تصنعها إلا هذه العقيدة، فاستحالت هذه القلوب النافرة، وهذه الطباع الشموس، إلى هذه الكتلة المتراصة المتآخية، الذلول بعضها مع بعض، المحب بعضها لبعض، المتآلف بعضها مع بعض، بهذا المستوى الذي لم يعرفه التاريخ، والذي تتمثل فيه حياة الجنة وسمتها البارزة – أو يمهد لحياة الجنة سمتها البارزة (ونزعنا ما في صدورهم من غل إخواناً على سرر متقابلين). إن هذه العقيدة عجيبة فعلاً، إنها حين تخالط القلوب تلين جاسيها، وترقق حواشيها، وتندي جفافها، وتربط بينها برباط وثيق عميق رفيق، فإذا نظرة العين، ولمسة اليد، ونطق الجارحة، وخفقة القلب؛ ترانيم من التعارف و التعاطف، و الولاء و التناصر، والسماحة و الهوادة، لا يعرف سرها إلا من ألف بين هذه القلوب، ولا تعرف مذاقها إلا هذه القلوب ....
وهذه العقيدة تهتف للبشرية بنداء الحب في الله، وتوقع على أوتاره ألحان الخلوص له والالتقاء عليه فإذا استجابت وقعت تلك المعجزة التي لا يدري سرها إلا الله ولا يقدر عليها إلا الله.
ولقد من الله على عباده - وهو يدعوهم للوحدة وعدم الفرقة – بهذه النعمة الكبرى (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا)
هذه الأخوة المعتصمة بحبل الله نعمة يمتن الله به على الجماعة المسلمة الأولى، وهي نعمة يهبها الله لمن يحبهم من عباده دائماً.
وما كان إلا الإسلام وحده يجمع هذه القلوب المتنافرة، وما كان إلا حبل الله الذي يعتصم به الجميع فيصبحون بنعمة الله إخواناً، تصغر إلى جانبها الأحقاد التاريخية، والثارات القبلية، و الأطماع الشخصية، والرايات العنصرية، ويتجمع الصف تحت لواء الله الكبير المتعال" [الظلال بتصرف يسير].
حقوق الأخوة الايمانية :
الأخوة في الإسلام ليست من نوافل القول، بل هي أساس وعقيدة راسخة في النفس، قال المصطفى -صلى الله عليه وسلم-: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلمٍ كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة" (رواه البخاري ومسلم).
وقد روي عن أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: أن تسلم عليه إذا لقينه، وتجيبه إذا دعاك، وتشمته إذا عطس، وتعوده إذا مرض، وتشهد جنازته إذا مات، وتبر قسمه إذا أقسم عليك، وتنصح إذا استنصحك، وتحفظه بظهر الغيب إن غاب عنك، وتحب له ما تحب لنفسك، وتكره له ما تكره لنفسك".
و عن أنس- رضي الله عنه – أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "أربع من حق المسلمين عليك: أن تعين محسنهم، وأن تستغفر لمذنبهم، وأن تدعو لغائبهم، وأن تجب تائبهم" .
ولقد تكلم ابن تيمية عن (عقد الأخوة) هذا، وبين أن الحقوق التي ينشئها إذا كانت من جنس ما أقره النبي -صلى الله علية وسلم- في أحاديثه لكل مؤمن على المؤمنين فإنما هي: "حقوق واجبة بنفس الإيمان والتزامها بمنزلة التزام الصلاة و الزكاة و الصيام والحج، والمعاهدة عليها كالمعاهدة على ما أوجب الله ورسوله، وهده ثابتة لكل مؤمن على كل مؤمن، وإن لم يحصل بينهما عقد مؤاخاة " [مجموع فتاوى ابن تيمية 11/ 101].
وسائل تنمية الأخوة لتقليل اثار الاختلاف :
لتنمية الأخوة في الله وسائل كثيرة ومتعددة ونجمل منها هنا:
- الحب في الله: فهذا أروع وأعظم أنواع الحب، أن يكون في الله ولله، فلا نفع ولا غرض دنيوياً وراءه، وفي الحديث القدسي: "المتحابون في جلالي لهم منابر من نور، يغبطهم النبيون والشهداء" (رواه الترمذي).
- سلامة الصدر: وسيلة في غاية الأهمية لتقبل ما يبدر عن الآخرين بدون حقد أو ضغينة أو سوء نية، وكذلك لحمل الأقوال والأفعال على معانيها الحسنة.
- قال النبي -صلى الله عليه وسلم- "لا تقاطعوا ولا تدابروا، ولا تباغضوا، ولا تحاسدوا، وكونوا عباد الله إخواناً، لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث" (رواه البخاري).
وعن عبد الله بن عمرو " قيل يا رسول الله، أي الناس أفضل؟ قال: كل مخموم القلب صدوق اللسان، قيل صدوق اللسان نعرفه فما مخموم القلب؟ قال: هو التقي النقي، لا إثم فيه و لا بغي، ولا غل ولا حسد" (رواه ابن ماجة).
- النصح و التواصي: إن المسلم لا يسير في طريق آمن لكنه يسير في طريق محفوف بالمكاره والمز الق والعقبات والفتن، وشياطين الإنس والجن له بالمرصاد؛ فهو أحوج في مثل هذا الطريق إلى من يأخذ بيده يرشده ويبصّره، ويذكّره إذا نسي، ويعينه إذا ذكر، وصدق الله العظيم إذ يقول: (والعصر* إن الإنسان لفي خسر* إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر).
ولابد من أن نشير هنا لبعض آداب التواصي والنصح: كأن يكون سراً، وبالحكمة والموعظة الحسنة، وبأسلوب رقيق، يقول بعض السلف" أد النصيحة على أكمل وجه واقبلها على أي وجه".
- معرفة الفضل : قال تعالى: (ولا تنسوا الفضل بينكم) فمعرفة المسلم لفضل أخيه، بل ومحاولته البحث له عن فضل تجعله يحبه، ويتقبل منه، ويسمع له بدلاً من أن ينفر منه، ويتجنب لقاءه ، فإذا بحث كل واحد منا عن فضل لأخيه؛ فسوف يزدهر العمل، ويحس بقيمة أخيه وتأثيره و فضله.
- المصارحة والمكاشفة: فهي تزيل عن القلب موانع تعطل تيار الأخوة مادامت تؤدى بطرقها السابق ذكرها، فلابد للمسلم من أن يصارح أخاه بما في صدره، فربما وجد عنده إجابة شافية تكفيه مؤونة الإرهاق الذهني والقلق، والتوتر الذي يؤثر حتماً على سلامة الصدر، وكذلك على المسلم أن يصارح بما يعتريه من تساؤلات أو شكوك دون أدنى حرج.
ولنا في الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه الأسوة في ذلك، ففي بيعة العقبة الثانية وقف أبو الهيثم بن التيهان يصارح و يكاشف، ويستفسر من الرسول -صلى الله عليه وسلم- عما يجول في نفسه؛ فقال: يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال – يعني اليهود – حبالاً ، وإنا لقاطعوها، فهل عسيت إن فعلنا ذلك، ثم أظهرك الله، أن ترجع إلى قومك و تدعنا؟ قال كعب بن مالك: فتبسم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ثم قال: "بل الدم الدم ، و الهدم الهدم، أنا منكم و أنتم مني، أحارب من حاربتم، و أسالم من سالمتم"، فهذه قمة المصارحة و المكاشفة حتى لما يجول في أغوار النفس، وقد تقبلها النبي -صلى الله عليه وسلم- برحابة صدر، وذلك درس في واجبات القيادة لتقبل المصارحة والمكاشفة بسلامة صدر، والعمل على إزالة ما قد يكون قد التبس على أذهان إخوانهم.
- التسامح و التراحم: يجب أن يكون ديدن العاملين للإسلام هو التسامح و التراحم حتى لمن ظلمهم، فينبغي أن يعذر بعضنا بعضاً، وأن يسامح بعضنا بعضاً، وأن نتراحم فيما بيننا. وصدق الله العظيم إذ يقول: (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك) [آل عمران:159]. وفي الحديث "من اعتذر إلى أخيه المسلم فلم يقبل منه كان عليه مثل خطيئة صاحب مكس" (رواه ابن ماجة) وفي رواية " من تنصل إليه فلم يقبل لم يرد الحوض" ( الطبراني ).
وسائل حماية الأخوة:
- إدراك أهميتها: على كل مسلم أن يدرك أهمية الأخوة، وأن يكون كل مسلم عمقاً استراتيجياً لأخيه؛ يحميه، ويؤازره، ويدرك أنه كثير بإخوانه مع إدراك الثواب الجزيل لهذه النعمة.
- معرفة فقه الخلاف : نحن يمكن أن نختلف وأن تتباين وجهات نظرنا دون أن يحنق أحدنا على الآخر أو يحمل لأخيه أية ضغينة، بل نتبع القاعدة الذهبية لصاحب المنار التي تقول : " لنتعاون فيما اتفقنا عليه وليعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه".
- استصحاب فقه الأولويات: فقد يكون رأيي صواباً ولكن هناك ما هو أولى منه في مرحلة ما، فإذا عرفنا ذلك عذرنا بعضنا بعضاً، وقوينا من أخوتنا وأعنا بعضنا بعضاً على المهام الموكلة لكل منا.
- رفع سقف الخلاف: فينبغي أن نحسن الظن ببعض، وأن تتسع صدورنا للنقد البناء، وأن يعمل كل منا على احتواء الخلاف من جانبه، وكأنه هو المسؤول عن ذلك، وهذا لهدف أسمى وأرفع وأنبل، وهو إثراء روح الأخوة.
- رفع مستوى الحوار: لابد من أن يحرص كل منا على نفس أخيه، و ألا يجرحه، وأن يراعي معه أدب الحديث، وألا تكون الأخوة مرادفاً لعدم الحرص في الحديث أو الابتذال فيه، أو زوال الفوارق السنية والاجتماعية، فلا بد من أن نرقى بأسلوب حوارنا، وأن يحترم كل منا الآخر، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا".
ثمار الأخوة في الله وآثارهاالطيبة:
أولاً: على مستوى العمل الجماعي: لاشك في أن روح الفريق ستجعل من كل فرد شعلة نشاط يبذل كل ما في وسعه، ويأخذ بكل الوسائل لإنجاح ما يعد له "مثل اليدين تغسل إحداهما الأخرى".
كما سيعمل على تنفيذ ما أعد له هو وإخوانه؛ فسيكونون جميعاً على قلب رجل واحد لتنفيذ ما اتفق عليه، متناسين أي خلاف قد يكون نشأ في مرحلة ما.
ولا شك في أن أي صف يعمل الجميع به -قيادة وجنوداً- بقلب رجل واحد، متجردين لله ولا يرجون من إنسان جزاء ولا شكوراً، أقدر على تحقيق أهدافه كلها بإذن الله؛ فلقد حقق المسلمون الأوائل ما حققوه لعقيدتهم الراسخة وإيمانهم الوثيق بالله، ثم بأخوتهم التي أرساها المصطفي -صلى الله عليه وسلم- حين آخى بينهم.
كما تعزز الأخوة وحدة الصف بكل معانيها، كما قال تعالى : (إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص)، فروح الأخوة ستجعله صفاً واحداً يصعب اختراقه وتدميره.
ثانياً على المستوى الفردي: إن أول المستفيدين من روح الأخوة هو الفرد نفسه، إذ يستشعر أنه ليس وحيداً، وأن معه إخوانه يساعدونه على تقوى الله، وعبادته، وطاعته؛ فقد جاء في الحديث "إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية".
كما سيجد فيهم خير الأصحاب؛ فهو إذا ذكر الله أعانوه، وإذا نسي ذكروه.
وعندما يختلط المسلم بإخوانه سيكتسب منهم خبرات، وتجارب متنوعة في شتى المناحي، وسيرتفع بذلك مستوى أدائه في المجالات جميعاً: دعوية، ودنيوية، ومهنية. قال تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى).
كما سيجد الفرد من بعض إخوانه -ولا أقول كلهم- قدوة حسنة، تقربه من ربه، وتزرع فيه خصالاً، يحاول الوصول إليها دون جدوى، وذلك من خلال معايشته لهم؛ بل سيقتدي بهم في مختلف الأحوال والأوقات؛ فيكتسب قدرات لا تقدر بثمن.
وتعين الأخوة الفرد على الثبات، ذلك أن من يسير في طريق الدعوة إلى الله يكون -بطبيعة الحال- عرضة لملاقاة الأذى، والابتلاء، والفتن، فالطريق محفوفة بالمكارة، مليء بالعقبات، والمسلم في حاجة لإخوانه، وقلوبهم معه، يعينونه على مكاره الطريق، ويتواصون معه بالحق.
ثالثاً: على مستوى المجتمع: المجتمع الذي يكون أعضاؤه على قدر كبير من المحبة و التعاون، ويعرف كل منهم حقوقه وواجباته، يكون في مستوى متميز، حتى لو كان هؤلاء الناس قلة؛ لأنهم سيكونون قدوة، وسيؤثرون في المجتمع، وسيتأثر بهم المجتمع، وسيرتفع مستواه الإيماني والعلائقي والثقافي .. إلخ، مما سيؤثر على إنتاجه في جميع المستويات والجوانب.
هذا المجتمع سيقف في وجه أشد الصعاب، فلقد صمد الصحابة في شعب أبي طالب، وأبلوا بلاءً حسناً، بإيمانهم ثم بأخوتهم الفذة، كما صمد المسلمون في المدينة أمام التحديات الداخلية والخارجية، وجاهدوا أفضل الجهاد.
واجهوا في بدر وأحد و الخندق أكبر التحديات، وكانت أكبر عدة لهم، بعد الله ثم إيمانهم الراسخ هي أخوتهم، ووحدة صفهم وتماسكه؛ فلقد ذاب كل واحد منهم في المجموع، فتشكلت قوة واحدة منهم يصعب اختراقها؛ بل كان النصر حليفها.
كما أن المجتمع المتحاب أفراده سيكون من القوة بمكان ليقف في مواجهة شتى التحديات، أو على الأقل الخروج بأقل الخسائر؛ لأن هذه المجموعات ستشيع هذه الروح في أسرها وجيرانها وأصدقائها من خلال فهمها الصحيح للإسلام، وبعملها به، فما بالنا لو كان المجتمع كله على هذه الدرجة العالية من الأخوة والحب في الله؟.
رابعاً: على مستوى غير المسلمين : حبنا لبعضنا بعضاً وأخوتنا وروابطنا الإسلامية العظيمة تثير غيظ أعداء الإسلام مهما حاولوا إخفاء ذلك؛ لأن هذا الجانب الروحي قل -إن لم ينعدم- في مجتمعاتهم المادية.
وإذا وجد أعداؤنا أننا على درجة عالية من الحب والأخوة سيهابوننا، أما تفرقنا وتشرذمنا الآن فهو برد وسلام على قلوبهم، قال سبحانه :(لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله).
و إذا رأى أعداؤنا فينا القوة والصلابة العقدية، والأخوة الملتحمة؛ فسيؤثر ذلك حتماً فيهم، ويضعفهم معنوياً، إذ كيف يحاربون مجتمعاً متحاباً متعاوناً على قلب رجل واحد؟
ومن جانب آخر؛ فإن غير المسلمين إذا وجدوا فينا الصورة المشرقة للإسلام ومثله العليا؛ فربما اتجهوا إلينا لأن الإسلام دين الفطرة.
فالواجب علينا إذاً أن نقدم لهم الصورة المشرفة للأخوة الإسلامية كما قدمها أسلافنا، وفتحوا بسلوكهم المتآخي كثيراً من بقاع العالم.
اخلاقيات الحديث
- ان ديننا يمتلك ثراثا ضخما من النصوص حول ادب الحديث التي هي ضرورية لتحقيق الاخوة والمودة والمحبة والاتحاد
بحثت عن الاديان كلها ------ وجبت بلاد الله غربا وشرقا
فلم ار كالاسلام ادعى لالفة ---- و لامثل اهليه اشد تفرقا
- تجد الكثيرين يتحدثون عن ادب الحوار والاختلاف لكن القليل هم الذين يلتزمون بهذه الاخلاق ,فكم نطالب الاخرين بها لكن ما ان نختلف معهم حتى نكون اول من يتخلى عن هذه الاخلاق .
- وحتى تصبح هذه الاخلاق سجية من سجايانا لابد من تعويد النفس عليها لتصبح عبادة وعادة فهي عبادة نتقرب بها الى الله وهي عادة ندرب النفس عليها .
- كما يجب ان يدرك المسلم ان الاسلام اوسع مما يظن البعض الذين يضيقون الاسلام ويتشددون على الناس وكان قولهم ورايهم هو القول الفصل وهو الميزان الذي يجب ان يزن به كل الناس , ان امثال هؤلاء مثل ملك فقد طائرا له فاصدر اوامره باغلاق كافة ابواب المدينة للبحث عن الطائر فنسي ان للطائر جناحان يحلق بهما في الفضاء الواسع .
- ومن الخطا الفاحش ان نتعامل مع الناس على قاعدة اما معي او ضدي فمن تبعني فهو قديس ومن خالفني فهو ابليس.
- ومن الخطا اعتماد احادية القول فلا صواب الا مانقول وكل من خرج عن اجتهادنا فهو على ضلال ,فينطبق علينا . قول الله تعالى: ما اريكم الا ما ارى وما اهديكم الا سبيل الرشاد.
- ان الامة الاسلامية بحاجة الى العودة الى الاسلام الصحيح بعيدا عن كل اشكال التحجر والجمود والوقوف عند لحظة من الزمن او الوقوف عند قول معين وكان قول البشر عصمة لايجوز تجاوزها .
- فلا يجوز لمسلم ان ينصب نفسه على انه الوريث الوحيد لهذا الدين ان هؤلاء انما اختزلوا الاسلام بانفسهم واسلوبهم وطريقتهم ونصبوا انفسهم قضاة على البشر ولو سمحت لهم الظروف لكانوا هم الجلادين ايضا.
- فلا يجوز لمسلم كان من كان ان يصنف المسلمين على هواه طالما ان المسلمين مرجعيتهم كتاب الله وسنته ومصادر التشريع المتفق عليها او المختلف حولها .
- فليشتغل المسلمين بتعلم دينهم ونشره وتبليغه والاهتمام بهموم الامة المهددة بكيانها بدل ان يشتغلوا باخوانهم.
- روى البخاري ومسلم .قال ص: ان العبد ليتكلم بالكلمة مايتبين فيها يزل بها في النار ابعد مما بين المشرق والمغرب .
و الخلاصة: إذا ازدهرت شجرة الأخوة وترعرعت ونمت؛ فلابد من أن تنمو شجرة العمل وتزدهر، وتعطي حينها أطيب الثمار. ومن هنا علينا جميعاً -وعلى المخلصين العاملين للإسلام خاصة- أن يعملوا على ازدهار شجرة الأخوة ، وعلى حمايتها، وصيانتها من الهجمات الشرسة التي تعمل على اقتلاعها. إننا في حاجة لهذه الروح وهذا الفقه؛ ليسري في جسد الأمة، فتبعث فيه الحياة بعد طول رقاد.
فلقد انتصر المسلمون في بدر وهم قلة مؤمنة تتمتع بقدر عال من التربية والأخوة، لكنهم انهزموا في حنين على كثرتهم، ذلك أن الكثرة قد تحوي الخَبث الذي سرعان ما ينزوي عندما يواجه محنة أو اختبار.
والحمد لله رب العالمين ,,,,
نقله وجمعه اخوكم أبومريم
للاستفادة
وطلعت عيني للتجميع والضبط والتنسيق
يعني الدعاء إجباري لي وولكل من خط بقلمه وإبداعه فكرة من أفكار البحث
ونسال الله ان يلقى هذا البحث التفصيلي آذان واعية وعقول مستنيرة فاهمة