ملك الليل
11-19-2007, 05:47 PM
قال تعالى
( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا)
يعتقد كثير من الناس بأن الآية الكريمة السابقة تدل على الجهاد المتعارف عليه ألا وهو جهاد الكفار
وحين التدبر مليا في معنى هذه الآية نجد أن المقصود مختلف كلياً عن مايعتقده العوام الذين يستشهدون في بعض الأحيان بآيات لاتدل على المستشهد فيه
وواضح أصلا من ظاهر الآية أن الله يقصد أشخاصاً معينين ومن ثم يجوز إطلاق مضمون الآية على كافة المسلمين بمعنى أنه يَقصد بها هم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، يهديهم الله تعالى إلى طُرقُ الخير والسعادة في الدنيا والآخرة
يقول ابن القيم رحمه الله في كتابه الزاد في تفسير هذه الآية الكريمة يطلق على مجاهدة النفس والشيطان والفساق والكفار وكذلك يقول ابن حجر في كتابه الفتح
يقول ابن القيم رحمه الله :
قال تعالى : ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا)- العنكبوت 69- علق سبحانه الهداية بالجهاد ، فأكملُ الناس هدايةً أعظمهم جهاداً ، وأفرض الجهاد جهاد النفس وجهاد الهوى وجهاد الشيطان وجهاد الدنيا ، فمن جاهد هذه الأربعة في الله هداه الله سبل رضاه الموصلة إلى حنته ، ومن ترك الجهاد فاته من الهدى بحسب ماعطل من الجهاد
يوضح ابن القيم رحمه الله بأن جهاد النفس يأتي في المقام الأول وذلك لصعوبة هذا النوع من الجهاد
فجهاد النفس أعظم جهادا من من اي شيء لما في ذلك من تألم وحصول مشقة لاتعادلها مشقة ولا ألم في اي جهاد آخر حيث أن الإنسان يكون مطواعا لنفسه منقاداً لرغباتها يدفعه في ذلك شهوة مستعرة وبيئة خصبة
ويأتي بعدها جهاد الهوى وجهاد الشيطان ثم أخيرا جهاد الدنيا
وقد بين رحمه الله تعالى أن أكمل الناس هدايةً أعظمهم جهادا
وإن العلماء بينوا أن ماسبق يعد أعداء باطنيين ولايتمكن من جهاد عدوه في الظاهر إلا من جاهد هذه الأعداء باطناً ، فمن نصر عليها نصره على عدوه ، ومن نصرت عليه نصر عليه عدوه
فأما مجاهدة النفس فعلى تعلم أمور الدين ثم على العمل بها ثم على تعليمها والصبر على ذلك
وأما مجاهدة الشيطان فعلى دفع ما يأتي به من الشبهات وما يزينه من الشهوات، وأما مجاهدة
الكفار فتقع باليد والمال واللسان والقلب، وأما مجاهدة الفساق فباليد ثم اللسان ثم القلب
ومن إطلاق الجهاد على الدعوة قوله تعالى: فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا
{الفرقان:52}، ومن إطلاقه على الدعوة والقتال قوله تعالى:
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ {التوبة:73}.
قال ابن القيم في الزاد:
وأمره الله تعالى بالجهاد من حيث بعثه، وقال:
وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا* فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا. فهذه سورة مكية أمر فيها بجهاد الكفار، بالحجة، والبيان، وتبليغ القرآن، وكذلك جهاد المنافقين، إنما هو بتبليغ الحجة، وإلا فهم تحت قهر أهل الإسلام، قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ. انتهى
و قال أحمد بن أبي الحواري: حدثنا عباس الهمداني أبو أحمد ـ من أهل عكا ـ في قول الله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ … [العنكبوت:69]، قال: " الذين يعملون بما يعلمون يهديهم لما لا يعلمون".
وهداية السبيل تكون لمن قدر على نفسه وعارض هواه وتغلب على شيطانه وترك دنياه فإنه يكون مهديا واضح الرؤية قويم الطريق
وإن المسلم يجب أولا أن يَعد إعداداً قويا قبل أن يتقدم لساحات القتال
ذلك أن الإيمان القوي يجب أن يحوطه عقيدة صافية وعلم جلي يجعل منه مجاهدا قد انتصر أولا على نفسه ورغباتها وهواه وفلتاتها وشيطانه وإغواءه
قال القرطبي في تفسيرها: قوله تعالى: والذين جاهدوا فينا أي جاهدوا الكفار فينا، أي في طلب مرضاتنا، وقال السدي وغيره: إن هذه الآية نزلت قبل فرض القتال، وقال ابن عطية: فهي قبل الجهاد العرفي، وإنما هو جهاد عام في دين الله وطلب مرضاته. قال الحسن ابن أبي الحسن: الآية في العباد. وقال ابن عباس وإبراهيم بن أدهم: هي في الذي يعملون بما يعلمون. وقال أبو سليمان الداراني: ليس الجهاد في الآية قتال الكافر فقط بل هو نصر الدين، والرد على المبطلين، وقمع الظالمين، وأعظمه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنه مجاهدة النفوس في طاعة الله، وقال سفيان بن عيينة لابن المبارك: إذا رأيت الناس قد اختلفوا فعليك بالمجاهدين وأهل الثغور فإن الله تعالى يقول: لنهدينهم. وقال عبد الله بن عباس: والذين جاهدوا في طاعتنا لنهدينهم سبل ثوابنا. وهذا يتناول بعموم الطاعة جميع الأقوال.
وقال البغوي في تفسيره: والذين جاهدوا فينا، الذين جاهدوا المشركين لنصرة ديننا. قال سفيان بن عيينة: إذا اختلف الناس فانظروا ما عليه أهل الثغور، فإن الله قال: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا
وقيل: المجاهدة هي الصبر على الطاعات، قال الحسن: أفضل الجهاد مخالفة الهوى. وقال الفضيل بن عياض: والذين جاهدوا في طلب العلم لنهدينهم سبل العمل به، وقال سهل بن عبد الله: والذين جاهدوا في إقامة السنة لنهدينهم سبل الجنة. وروي عن ابن عباس: والذين جاهدوا في طاعتنا لنهدينهم سبل ثوابنا.
وأورد الإمام البخاري في باب المشي إلى الجمعة حديث: من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار. وذكر أن الصحابي استدل به على ذلك، فقال: حدثنا علي بن عبد الله قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثنا يزيد بن أبي مريم قال: حدثنا عباية بن رفاعة قال: أدركني أبو عبس وأنا أذهب إلى الجمعة فقال: سمعت النبي صلى الله عيله وسلم يقول: من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار.
قال ابن حجر في الفتح: أورده هنا لعموم قوله في سبيل الله فدخلت فيه الجمعة ولكون راوي الحديث استدل به على ذلك. وأورده كذلك في باب الجهاد، وراجع كلام ابن القيم في الزاد عن أنواع الجهاد.
خلاصة القول
يتضح مما سبق أن الأغلب من علماء أهل السنة قد أجمعوا أن الآية لايُقصد بها الجهاد العرفي أو المتعارف عليه وهو قتال الكفار بل هو في الطاعات ومرضاة الله وقد أوضح السدي دليلا يقطع به كل الـأدلة وهو أن هذه الآية نزلت قبل فرض القتال .
والله تعالى أعلى وأعلم
( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا)
يعتقد كثير من الناس بأن الآية الكريمة السابقة تدل على الجهاد المتعارف عليه ألا وهو جهاد الكفار
وحين التدبر مليا في معنى هذه الآية نجد أن المقصود مختلف كلياً عن مايعتقده العوام الذين يستشهدون في بعض الأحيان بآيات لاتدل على المستشهد فيه
وواضح أصلا من ظاهر الآية أن الله يقصد أشخاصاً معينين ومن ثم يجوز إطلاق مضمون الآية على كافة المسلمين بمعنى أنه يَقصد بها هم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، يهديهم الله تعالى إلى طُرقُ الخير والسعادة في الدنيا والآخرة
يقول ابن القيم رحمه الله في كتابه الزاد في تفسير هذه الآية الكريمة يطلق على مجاهدة النفس والشيطان والفساق والكفار وكذلك يقول ابن حجر في كتابه الفتح
يقول ابن القيم رحمه الله :
قال تعالى : ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا)- العنكبوت 69- علق سبحانه الهداية بالجهاد ، فأكملُ الناس هدايةً أعظمهم جهاداً ، وأفرض الجهاد جهاد النفس وجهاد الهوى وجهاد الشيطان وجهاد الدنيا ، فمن جاهد هذه الأربعة في الله هداه الله سبل رضاه الموصلة إلى حنته ، ومن ترك الجهاد فاته من الهدى بحسب ماعطل من الجهاد
يوضح ابن القيم رحمه الله بأن جهاد النفس يأتي في المقام الأول وذلك لصعوبة هذا النوع من الجهاد
فجهاد النفس أعظم جهادا من من اي شيء لما في ذلك من تألم وحصول مشقة لاتعادلها مشقة ولا ألم في اي جهاد آخر حيث أن الإنسان يكون مطواعا لنفسه منقاداً لرغباتها يدفعه في ذلك شهوة مستعرة وبيئة خصبة
ويأتي بعدها جهاد الهوى وجهاد الشيطان ثم أخيرا جهاد الدنيا
وقد بين رحمه الله تعالى أن أكمل الناس هدايةً أعظمهم جهادا
وإن العلماء بينوا أن ماسبق يعد أعداء باطنيين ولايتمكن من جهاد عدوه في الظاهر إلا من جاهد هذه الأعداء باطناً ، فمن نصر عليها نصره على عدوه ، ومن نصرت عليه نصر عليه عدوه
فأما مجاهدة النفس فعلى تعلم أمور الدين ثم على العمل بها ثم على تعليمها والصبر على ذلك
وأما مجاهدة الشيطان فعلى دفع ما يأتي به من الشبهات وما يزينه من الشهوات، وأما مجاهدة
الكفار فتقع باليد والمال واللسان والقلب، وأما مجاهدة الفساق فباليد ثم اللسان ثم القلب
ومن إطلاق الجهاد على الدعوة قوله تعالى: فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا
{الفرقان:52}، ومن إطلاقه على الدعوة والقتال قوله تعالى:
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ {التوبة:73}.
قال ابن القيم في الزاد:
وأمره الله تعالى بالجهاد من حيث بعثه، وقال:
وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا* فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا. فهذه سورة مكية أمر فيها بجهاد الكفار، بالحجة، والبيان، وتبليغ القرآن، وكذلك جهاد المنافقين، إنما هو بتبليغ الحجة، وإلا فهم تحت قهر أهل الإسلام، قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ. انتهى
و قال أحمد بن أبي الحواري: حدثنا عباس الهمداني أبو أحمد ـ من أهل عكا ـ في قول الله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ … [العنكبوت:69]، قال: " الذين يعملون بما يعلمون يهديهم لما لا يعلمون".
وهداية السبيل تكون لمن قدر على نفسه وعارض هواه وتغلب على شيطانه وترك دنياه فإنه يكون مهديا واضح الرؤية قويم الطريق
وإن المسلم يجب أولا أن يَعد إعداداً قويا قبل أن يتقدم لساحات القتال
ذلك أن الإيمان القوي يجب أن يحوطه عقيدة صافية وعلم جلي يجعل منه مجاهدا قد انتصر أولا على نفسه ورغباتها وهواه وفلتاتها وشيطانه وإغواءه
قال القرطبي في تفسيرها: قوله تعالى: والذين جاهدوا فينا أي جاهدوا الكفار فينا، أي في طلب مرضاتنا، وقال السدي وغيره: إن هذه الآية نزلت قبل فرض القتال، وقال ابن عطية: فهي قبل الجهاد العرفي، وإنما هو جهاد عام في دين الله وطلب مرضاته. قال الحسن ابن أبي الحسن: الآية في العباد. وقال ابن عباس وإبراهيم بن أدهم: هي في الذي يعملون بما يعلمون. وقال أبو سليمان الداراني: ليس الجهاد في الآية قتال الكافر فقط بل هو نصر الدين، والرد على المبطلين، وقمع الظالمين، وأعظمه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنه مجاهدة النفوس في طاعة الله، وقال سفيان بن عيينة لابن المبارك: إذا رأيت الناس قد اختلفوا فعليك بالمجاهدين وأهل الثغور فإن الله تعالى يقول: لنهدينهم. وقال عبد الله بن عباس: والذين جاهدوا في طاعتنا لنهدينهم سبل ثوابنا. وهذا يتناول بعموم الطاعة جميع الأقوال.
وقال البغوي في تفسيره: والذين جاهدوا فينا، الذين جاهدوا المشركين لنصرة ديننا. قال سفيان بن عيينة: إذا اختلف الناس فانظروا ما عليه أهل الثغور، فإن الله قال: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا
وقيل: المجاهدة هي الصبر على الطاعات، قال الحسن: أفضل الجهاد مخالفة الهوى. وقال الفضيل بن عياض: والذين جاهدوا في طلب العلم لنهدينهم سبل العمل به، وقال سهل بن عبد الله: والذين جاهدوا في إقامة السنة لنهدينهم سبل الجنة. وروي عن ابن عباس: والذين جاهدوا في طاعتنا لنهدينهم سبل ثوابنا.
وأورد الإمام البخاري في باب المشي إلى الجمعة حديث: من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار. وذكر أن الصحابي استدل به على ذلك، فقال: حدثنا علي بن عبد الله قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثنا يزيد بن أبي مريم قال: حدثنا عباية بن رفاعة قال: أدركني أبو عبس وأنا أذهب إلى الجمعة فقال: سمعت النبي صلى الله عيله وسلم يقول: من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار.
قال ابن حجر في الفتح: أورده هنا لعموم قوله في سبيل الله فدخلت فيه الجمعة ولكون راوي الحديث استدل به على ذلك. وأورده كذلك في باب الجهاد، وراجع كلام ابن القيم في الزاد عن أنواع الجهاد.
خلاصة القول
يتضح مما سبق أن الأغلب من علماء أهل السنة قد أجمعوا أن الآية لايُقصد بها الجهاد العرفي أو المتعارف عليه وهو قتال الكفار بل هو في الطاعات ومرضاة الله وقد أوضح السدي دليلا يقطع به كل الـأدلة وهو أن هذه الآية نزلت قبل فرض القتال .
والله تعالى أعلى وأعلم