المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تفسير الآية ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا )


ملك الليل
11-19-2007, 05:47 PM
قال تعالى
( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا)


يعتقد كثير من الناس بأن الآية الكريمة السابقة تدل على الجهاد المتعارف عليه ألا وهو جهاد الكفار

وحين التدبر مليا في معنى هذه الآية نجد أن المقصود مختلف كلياً عن مايعتقده العوام الذين يستشهدون في بعض الأحيان بآيات لاتدل على المستشهد فيه

وواضح أصلا من ظاهر الآية أن الله يقصد أشخاصاً معينين ومن ثم يجوز إطلاق مضمون الآية على كافة المسلمين بمعنى أنه يَقصد بها هم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، يهديهم الله تعالى إلى طُرقُ الخير والسعادة في الدنيا والآخرة

يقول ابن القيم رحمه الله في كتابه الزاد في تفسير هذه الآية الكريمة يطلق على مجاهدة النفس والشيطان والفساق والكفار وكذلك يقول ابن حجر في كتابه الفتح

يقول ابن القيم رحمه الله :

قال تعالى : ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا)- العنكبوت 69- علق سبحانه الهداية بالجهاد ، فأكملُ الناس هدايةً أعظمهم جهاداً ، وأفرض الجهاد جهاد النفس وجهاد الهوى وجهاد الشيطان وجهاد الدنيا ، فمن جاهد هذه الأربعة في الله هداه الله سبل رضاه الموصلة إلى حنته ، ومن ترك الجهاد فاته من الهدى بحسب ماعطل من الجهاد

يوضح ابن القيم رحمه الله بأن جهاد النفس يأتي في المقام الأول وذلك لصعوبة هذا النوع من الجهاد

فجهاد النفس أعظم جهادا من من اي شيء لما في ذلك من تألم وحصول مشقة لاتعادلها مشقة ولا ألم في اي جهاد آخر حيث أن الإنسان يكون مطواعا لنفسه منقاداً لرغباتها يدفعه في ذلك شهوة مستعرة وبيئة خصبة
ويأتي بعدها جهاد الهوى وجهاد الشيطان ثم أخيرا جهاد الدنيا

وقد بين رحمه الله تعالى أن أكمل الناس هدايةً أعظمهم جهادا

وإن العلماء بينوا أن ماسبق يعد أعداء باطنيين ولايتمكن من جهاد عدوه في الظاهر إلا من جاهد هذه الأعداء باطناً ، فمن نصر عليها نصره على عدوه ، ومن نصرت عليه نصر عليه عدوه

فأما مجاهدة النفس فعلى تعلم أمور الدين ثم على العمل بها ثم على تعليمها والصبر على ذلك

وأما مجاهدة الشيطان فعلى دفع ما يأتي به من الشبهات وما يزينه من الشهوات، وأما مجاهدة

الكفار فتقع باليد والمال واللسان والقلب، وأما مجاهدة الفساق فباليد ثم اللسان ثم القلب

ومن إطلاق الجهاد على الدعوة قوله تعالى: فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا

{الفرقان:52}، ومن إطلاقه على الدعوة والقتال قوله تعالى:

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ {التوبة:73}.

قال ابن القيم في الزاد:

وأمره الله تعالى بالجهاد من حيث بعثه، وقال:

وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا* فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا. فهذه سورة مكية أمر فيها بجهاد الكفار، بالحجة، والبيان، وتبليغ القرآن، وكذلك جهاد المنافقين، إنما هو بتبليغ الحجة، وإلا فهم تحت قهر أهل الإسلام، قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ. انتهى

و قال أحمد بن أبي الحواري: حدثنا عباس الهمداني أبو أحمد ـ من أهل عكا ـ في قول الله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ … [العنكبوت:69]، قال: " الذين يعملون بما يعلمون يهديهم لما لا يعلمون".

وهداية السبيل تكون لمن قدر على نفسه وعارض هواه وتغلب على شيطانه وترك دنياه فإنه يكون مهديا واضح الرؤية قويم الطريق

وإن المسلم يجب أولا أن يَعد إعداداً قويا قبل أن يتقدم لساحات القتال

ذلك أن الإيمان القوي يجب أن يحوطه عقيدة صافية وعلم جلي يجعل منه مجاهدا قد انتصر أولا على نفسه ورغباتها وهواه وفلتاتها وشيطانه وإغواءه

قال القرطبي في تفسيرها: قوله تعالى: والذين جاهدوا فينا أي جاهدوا الكفار فينا، أي في طلب مرضاتنا، وقال السدي وغيره: إن هذه الآية نزلت قبل فرض القتال، وقال ابن عطية: فهي قبل الجهاد العرفي، وإنما هو جهاد عام في دين الله وطلب مرضاته. قال الحسن ابن أبي الحسن: الآية في العباد. وقال ابن عباس وإبراهيم بن أدهم: هي في الذي يعملون بما يعلمون. وقال أبو سليمان الداراني: ليس الجهاد في الآية قتال الكافر فقط بل هو نصر الدين، والرد على المبطلين، وقمع الظالمين، وأعظمه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنه مجاهدة النفوس في طاعة الله، وقال سفيان بن عيينة لابن المبارك: إذا رأيت الناس قد اختلفوا فعليك بالمجاهدين وأهل الثغور فإن الله تعالى يقول: لنهدينهم. وقال عبد الله بن عباس: والذين جاهدوا في طاعتنا لنهدينهم سبل ثوابنا. وهذا يتناول بعموم الطاعة جميع الأقوال.
وقال البغوي في تفسيره: والذين جاهدوا فينا، الذين جاهدوا المشركين لنصرة ديننا. قال سفيان بن عيينة: إذا اختلف الناس فانظروا ما عليه أهل الثغور، فإن الله قال: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا
وقيل: المجاهدة هي الصبر على الطاعات، قال الحسن: أفضل الجهاد مخالفة الهوى. وقال الفضيل بن عياض: والذين جاهدوا في طلب العلم لنهدينهم سبل العمل به، وقال سهل بن عبد الله: والذين جاهدوا في إقامة السنة لنهدينهم سبل الجنة. وروي عن ابن عباس: والذين جاهدوا في طاعتنا لنهدينهم سبل ثوابنا.

وأورد الإمام البخاري في باب المشي إلى الجمعة حديث: من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار. وذكر أن الصحابي استدل به على ذلك، فقال: حدثنا علي بن عبد الله قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثنا يزيد بن أبي مريم قال: حدثنا عباية بن رفاعة قال: أدركني أبو عبس وأنا أذهب إلى الجمعة فقال: سمعت النبي صلى الله عيله وسلم يقول: من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار.
قال ابن حجر في الفتح: أورده هنا لعموم قوله في سبيل الله فدخلت فيه الجمعة ولكون راوي الحديث استدل به على ذلك. وأورده كذلك في باب الجهاد، وراجع كلام ابن القيم في الزاد عن أنواع الجهاد.

خلاصة القول

يتضح مما سبق أن الأغلب من علماء أهل السنة قد أجمعوا أن الآية لايُقصد بها الجهاد العرفي أو المتعارف عليه وهو قتال الكفار بل هو في الطاعات ومرضاة الله وقد أوضح السدي دليلا يقطع به كل الـأدلة وهو أن هذه الآية نزلت قبل فرض القتال .

والله تعالى أعلى وأعلم

مالك
11-19-2007, 06:22 PM
جمع موفق ، حتى أنا لما قرأت استشهاد احد الأعضاء بهذه الآية لم اجد بينها وبين
الموضوع رابط ، خاصة وأن السورة التي ذكرت فيها لم يرد فيها ذكر القتال البتة .
بل إن الآية أتت في نهاية السورة بعدما ذكر الله عدد من قصص بعض الأنبياء
وكيف صبروا على البلاء وتبليغ الرسالة ، وربما تكون هذه الآية من ألفاظ العموم .

هنالك الكثيرون من حفظة القرآن الكريم في المنتدى
أرجو منهم ان يدلوا بدلوهم في هذا الموضوع .


جزاك الله كل خير اخي ملك الليل .

علاء الدين
11-19-2007, 06:46 PM
بارك الله فيك أخي ملك الليل على هذا الجمع المرتب والموفق بإذن الله تعالى

و أنا أيضاً سمعت أحد الدعاة يقول إن المقصود فيها هو جهاد النفس

و من أراد الآيات التي تتحدث عن الجهاد

فهي و لله الحمد كثيرة و قد ورد بعضها في هذا البحث

وهناك حديث آخر عن الرسول صلى الله عليه وسلم

قال صلى الله عليه وسلم (الا ادلكم على مايمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟قالوا:بلى يارسول الله قال:اسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطا الى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط) رواه مسلم

فمن لم يكتب له الرباط على الثغور .. فليرابط بما ورد في هذا الحديث

جزاك الله كل خير أخي أبو محمد على التوضيح

ووفقنا للجهاد و الرباط في سبيل الله

د.أبومريم
11-20-2007, 12:50 AM
إيضاح طيب


ونسأل الله ان يتقبل منا ومنك خالص الأعمال

واحاديث فضل وإيضح معنى جهاد النفس والهوى والشيطان


فجزاك الله خيرا أخي ملك الليل

وأذكر ان سيف الإسلام خطاب رحمه الله

كان قد أولك تأسيس اول معهد للدعاة لرفيق دربه الشيخ أبو عمر السيف رحمه الله

وكان شرط المتقدمين للجهاد في كتيبة المجاهدين بقيادة خطاب أن يكونوا قد أتموا بنجاح دورة إعداد الدعاة في المعهد الديني

وبذلك فكان رحمه الله يحافظ على صفاء عقيدتهم وصحة منهجهم

فيكون الجهاد ثم النصر بحول الله


نسأل الله أن يصلح أحوال أخواننا المجاهدين في كل مكان

وأن يرزقهم رؤية الحق والثبات عليه

شهيد الاقصى
11-20-2007, 04:13 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد.
فقد لاحظت منذ فترة ليست بقريبة .. توجهاً خاطئاً عند بعض الشباب المتحمس لقضايا الجهاد .. حيث تراهم ـ بدافع العصبية والتعصب والجهل ـ يردون كل قولٍ ـ ولو كان حقاً ـ يخالف بعض ما عليه بعض أهل الثغور والجهاد .. الحق عندهم هو ما عليه أهل الثغور والجهاد ولو كان مخالفاً لنصوص الكتاب والسنة .. لا يقبلون أن يُقال في مجاهد مقاتل أخطأ والصواب كذا وكذا .. لسان حالهم يقول بعصمة المجاهدين عن الوقوع في الخطأ .. وهم يعلمون أو لا يعلمون .. لا يقبلون قولاً ولا رأياً ـ وإن كان حقاً ـ لمن لا يُقاتل ـ وإن كان من أهل التقوى والعلم ـ فيمن يُقاتل وإن كان يغلب عليه الجهل والخطأ!
فالمجاهد .. ما دام يُجاهد ويُقاتل فهو دائماً على حق وصواب .. وما سواه ممن يُخالفونه ـ وإن كانوا من أهل العلم والفضل والتقوى ـ فهم دائماً على باطل وخطأ!
يردون ـ أحياناً ـ نصوص الكتاب والسنة ـ لهوى في نفوسهم .. ورغبة في التشويش على الحق ـ تحت حجة أنهم على مذهب وقول المجاهدين وأهل الثغور!
وحجتهم في جميع ما تقدم ذكره، فهمهم الخاطئ لقوله تعالى:{ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ }العنكبوت:69.
فقالوا: هذا دليل على أن الله تعالى تكفل بهداية المجاهدين المقاتلين إلى سبل الحق والهداية والصواب دون غيرهم أو أكثر من غيرهم، فحصروا الهداية للحق على المجاهدين المقاتلين دون غيرهم .. وبالتالي لو اختلفوا مع غيرهم فالحق معهم على الإطلاق .. ومخالفهم على الباطل .. ومن دون أن يدققوا النظر في أدلة الطرفين .. وأي القولين أو الفريقين أقرب لأدلة الكتاب والسنة ومقاصدها!
أقول: هذا فهم خاطئ للآية الكريمة وللمراد منها؛ فالذي عليه أكثر أهل العلم والتفسير أن المراد من قوله تعالى:{ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا }؛ أي الذين جاهدوا ـ في طلب مرضاة الله ـ أنفسهم وحملوها على المتابعة، والطاعة، ومخالفة الهوى، وطلب العلم، فصدعوا بالحق، وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر .. وقالوا: مما يدل على هذا المعنى أن الآية مكية؛ أي نزلت قبل أن يُشرع ويؤذن بالقتال.
وإليكم بعض أقوالهم:
قال ابن عطية الأندلسي في تفسيره:" فهي قبل الجهاد العُرفي، وإنما هو جهاد عام في دين الله تعالى وطلب رضائه.
قال السدي وغيره: نزلت هذه الآية قبل فرض القتال.
وقال الحسن: الآية في العبَّاد.
وقال ابن عباس، والحسن، وإبراهيم بن أدهم: هي في الذين يعملون بما يعلمون.
وقال أبو سليمان الداراني: ليس الجهاد في هذه الآية قتال العدو فقط، بل هو نصرُ الدين، والرد على المبطلين، وقمع الظالمين، وعُظْمُه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنه مجاهدة النفوس في طاعة الله.
وقال الضحاك: معنى الآية: والذين جاهدوا في الهجرة لنهدينهم سبيل الثبوت على الإيمان " ا- هـ.
وقال ابن كثير في التفسير:" { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا }؛ يعني الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، وأتباعه إلى يوم الدين.
وأخرج ابن أبي حاتم بسنده عن عباس الهمداني:{ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا } قال الذين يعملون بما يعلمون يهديهم الله لما لا يعلمون "ا- هـ.
وقال الشوكاني في التفسير:" { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا }؛ أي جاهدوا في شأن الله لطلب مرضاته، ورجاء ما عنده من الخير لنهدينهم سبلنا؛ أي الطريق الموصل إلينا.
قال ابن عطية: هي مكية نزلت قبل فرض الجهاد العرفي، وإنما هو جهاد عام في دين الله وطلب مرضاته .. "ا- هـ. ثم نقل بقية كلامه الذي ذكرناه أعلاه.
وقال الألوسي في كتابه روح المعاني:" { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا } في شأننا ومن أجلنا ولوجهنا خالصاً .. وأطلقت المجاهدة لتعم مجاهدة الأعادي الظاهرة والباطنة بأنواعهما.
ومن الناس من أول { جَاهَدُوا } بأرادوا الجهاد، وأبقى{ لَنَهْدِيَنَّهُمْ } على ظاهره، وقال السدي:المعنى والذين جاهدوا بالثبات على الإيمان لنهدينهم سبلنا إلى الجنة، وقيل: المعنى والذين جاهدوا في الغزو لنهدينهم سبل الشهادة والمغفرة، وما ذُكر أولاً أولى "ا- هـ.
وقال القرطبي في التفسير:" { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا }؛ أي جاهدوا الكفار فينا، أي في طلب مرضاتنا، وقال السدي وغيره: إن هذه الآية نزلت قبل فرض القتال. قال ابن عطية: فهي قبل الجهاد العرفي، وإنما هو جهاد عام في دين الله وطلب مرضاته .."ا- هـ.
ونحن هنا لا ننكر أن من أهل العلم والتفسير من أدخل مجاهدة العدو وقتاله في سبيل الله في معنى قوله تعالى { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا }. وأن من السلف من قال:" إذا رأيت الناس قد اختلفوا فعليك بالمجاهدين، وأهل الثغور "، ولكن الذي نرده ولا نقبله حصر المراد من الآية بجهاد القتال دون غيره من أنواع المجاهدة والجهاد، وبخاصة بعد أن علمنا أن الآية مكية؛ أي نزلت قبل أن يُشرع الجهاد ويؤذن به.
مما يدل على هذا المعنى الذي ذهبنا إليه كذلك، قوله تعالى:{ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }البقرة:282.
قلت: وتقوى الله تعالى أعم من مجاهدة العدو وقتاله .. حيث يدخل فيها جهاد العدو، وجهاد النفس، وحملها على الانقياد والطاعة والمتابعة الظاهرة والباطنة لنصوص الشريعة .. وبالتالي فالمرء على قدر ما يحقق التقوى بمعناها العام في نفسه على قدر ما يُعلِّمه الله تعالى ويزداد علماً وفضلاً .. ويكون حجة على غيره.
ومما يستدل به كذلك قوله تعالى:{ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ }التوبة:122. فهذه الآية الكريمة دلت أن الطائفة التي بقيت مع النبي -صلى الله عليه وسلم- يطلبون العلم والتفقه في الدين منه صلوات ربي وسلامه عليه، ولم يخرجوا للقتال والغزو هم الذين يُعلمون ويفقهون من نفر للقتال والغزو إذا ما رجعوا إليهم .. ما كانوا قد تعلموه من النبي -صلى الله عليه وسلم- ؛ أي أن القاعد عن الجهاد لغرض طلب العلم يُعلم ويفقه من نفر للغزو والجهاد حينما يعود من جهاده.
ونقول كذلك: الأئمة الأربعة: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد ـ رحمهم الله تعالى ـ لم يكونوا من أهل الجهاد ـ الجهاد القتالي ـ ولا من أهل الثغور .. ومع ذلك كانوا مرجعاً للأمة في الفقه والعلم .. ولا تزال مذاهبهم وأقوالهم مرجعاً للأمة في جميع أمصارها .. والناس ـ بما فيهم أهل الثغور ـ عالة على فقههم وعلمهم .. ولم يقل أحد منهم: قولهم مردود لأنهم لم يكونوا يوماً من أهل الجهاد والثغور!
وفي المقابل الحجاج بن يوسف الثقفي .. كان من أهل الجهاد والثغور .. وقد فُتحت على يديه كثير من بلاد العدو .. ومع ذلك يُذكر بالسوء .. ويوصف بالظلم والطغيان .. ولا أحد يقول بأنه يؤخذ منه علم أو فقه .. فضلاً عن أن يقول: هو أفقه وأعلم ممن ليسوا من أهل الثغور كالأئمة الأربعة رحمهم الله .. وغيرهم!
ويُقال كذلك: أن العصمة لنبينا ـ صلوات ربي وسلامه عليه ـ فقط .. وما سواه سواء كان من أهل الثغور أم لا .. يُخطئ ويُصيب، يُؤخذ منه ويُرد عليه .. وفي حال وقوع التنازع والاختلاف بين الناس فما هو العاصم .. وما هو المرجع الذي يُتحاكم إليه ويُرد إليه النزاع والاختلاف..؟
الجواب: يعلمه الجميع؛ ألا وهو كتاب الله وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- .. كما قال تعالى:{ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً }النساء:59. ولم يقل -سبحانه وتعالى- فردوه إلى أهل الثغور .. أو إلى غيرهم، وإنما قال:{ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ }؛ أي إن كنتم صادقين في إيمانكم؛ فإن لم تردوا ما تنازعتم فيه { إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ } فهذا دليل على كذب ادعائكم بأنكم مؤمنون، وأنكم { تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ }.
قال تعالى:{ فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً }النساء:65.
ويُقال كذلك: من خلال تطوافنا في الأرض والأمصار وجدنا كثيراً من المجاهدين ومن أهل الثغور .. عندهم من العادات والسلوكيات الكثيرة التي تُخالف تعاليم الإسلام .. وقد قُدر لصاحب هذه الكلمات ولله الحمد أن يكون من أوائل ـ إن لم يكن أول ـ من يطؤون أرض الجهاد في أفغانستان ـ وكان ذلك أوائل عام " 1981 "م ـ فكان مما رأيته أن من المجاهدين المقاتلين من يُعلق في رقبته التمائم والتعاويذ المليئة بالصور، والرموز، والكلمات الشركية .. ويعتقدون ـ جهلاً ـ أنها تنفعهم وتحفظهم .. وترد عنهم الضرر .. وكذلك توجههم إلى القبور بالدعاء، والتمسح والتبرك .. وغير ذلك من السلوكيات الخاطئة .. والسؤال الذي يطرح نفسه: هل يجوز ـ شرعاً ـ السكوت على هؤلاء وعلى منكرهم .. وعلى سلوكياتهم الخاطئة هذه .. بحجة أنهم من أهل الجهاد والثغور .. وأنهم هم الأعلم والأحكم .. لا يجوز للقاعدين .. أو من ليس له درجة جهادهم وقتالهم .. أن ينصحهم، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر؟!
لا أظن عاقلاً يقول بذلك فضلاً عن عالم بدين الله وأحكامه .. يحترم نفسه ودينه وعقله .. وقد وجدنا أدلة الكتاب والسنة مطلقة في حضها على التناصح، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. ومن دون أن تخصص فريقاً من الناس دون آخر .. أو فريقاً من أهل العلم دون آخر؛ فالكل على ثغرة من ثغور الإسلام، وعلى كل امرئٍ أن يتقي الله في الثغر الذي استُؤمن عليه.
قال تعالى:{ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ }فصلت:33.
وقال تعالى:{ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ }التوبة:105.
خلاصة القول الذي نرجحه، والذي دلت عليه مجموع نصوص الكتاب والسنة: أن المرء بقدر ما يلتزم جادة التقوى .. والعمل بما يعلم .. ويخالف هواه .. ويكون بعيداً عن الحرام وارتكاب الحرام .. ويحمل نفسه على المجاهدة الظاهرة والباطنة ليوافق الشرع في جميع سلوكه وحياته .. بما في ذلك مجاهدة العدو بالسنان إن استطاع .. وتكون حياته كلها لله رب العالمين .. ويكون آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر .. ناصحاً للمسلمين .. صداعاً بالحق .. بعيداً عن الطواغيت الظالمين وقصورهم .. ومجالسهم .. ومع كل ذلك فهو يحمل نفسه على طلب العلم من مظانه الموثوقة .. كلما كان هو الأعلم والأحكم .. وكلما كان له الحظ الأوفر من الفهم والفقه والعلم .. عما هو دونه درجة أو درجات في تلك الصفات الآنفة الذكر، والله تعالى أعلم.


10/10/1426 هـ.
12/11/2005 م. عبد المنعم مصطفى حليمة

" أبو بصير الطرطوسي "

ملك الليل
11-20-2007, 01:40 PM
خاصة وأن السورة التي ذكرت فيها لم يرد فيها ذكر القتال البتة .
بل إن الآية أتت في نهاية السورة بعدما ذكر الله عدد من قصص بعض الأنبياء
وكيف صبروا على البلاء وتبليغ الرسالة ، وربما تكون هذه الآية من ألفاظ العموم .
.

اضافة مميزة وكلمات واقعية

شكرا كثيرا لمرورك الكريم بارك الله فيك

ملك الليل
11-20-2007, 01:45 PM
و أنا أيضاً سمعت أحد الدعاة يقول إن المقصود فيها هو جهاد النفس
و من أراد الآيات التي تتحدث عن الجهاد
فهي و لله الحمد كثيرة و قد ورد بعضها في هذا البحث
وهناك حديث آخر عن الرسول صلى الله عليه وسلم
قال صلى الله عليه وسلم (الا ادلكم على مايمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟قالوا:بلى يارسول الله قال:اسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطا الى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط) رواه مسلم


تعقيب رائع جدا وموفق

احسنت أخي الحبيب

علاء الدين

جعل الله ماقدمته في ميزان حسناتك وبارك فيك

ملك الليل
11-20-2007, 01:50 PM
وأذكر ان سيف الإسلام خطاب رحمه الله
كان قد أولك تأسيس اول معهد للدعاة لرفيق دربه الشيخ أبو عمر السيف رحمه الله
وكان شرط المتقدمين للجهاد في كتيبة المجاهدين بقيادة خطاب أن يكونوا قد أتموا بنجاح دورة إعداد الدعاة في المعهد الديني
وبذلك فكان رحمه الله يحافظ على صفاء عقيدتهم وصحة منهجهم
فيكون الجهاد ثم النصر بحول الله


احسنت أخي الحبيب

أبو مريم

إضافة رائعة جدا واستشهاد موفق

وإن الإهتمام بإعداد الدعاة إعداداً صحيحا من شأنه أن ينشأ جيلا إسلاميا يحمل هم الدعوة والجهاد

جزاك الله خير الجزاء وبارك فيك

ملك الليل
11-20-2007, 01:56 PM
فقد لاحظت منذ فترة ليست بقريبة .. توجهاً خاطئاً عند بعض الشباب المتحمس لقضايا الجهاد .. حيث تراهم ـ بدافع العصبية والتعصب والجهل ـ يردون كل قولٍ ـ ولو كان حقاً ـ يخالف بعض ما عليه بعض أهل الثغور والجهاد .. الحق عندهم هو ما عليه أهل الثغور والجهاد ولو كان مخالفاً لنصوص الكتاب والسنة .. لا يقبلون أن يُقال في مجاهد مقاتل أخطأ والصواب كذا وكذا .. لسان حالهم يقول بعصمة المجاهدين عن الوقوع في الخطأ .. وهم يعلمون أو لا يعلمون .. لا يقبلون قولاً ولا رأياً ـ وإن كان حقاً ـ لمن لا يُقاتل ـ وإن كان من أهل التقوى والعلم ـ فيمن يُقاتل وإن كان يغلب عليه الجهل والخطأ!
فالمجاهد .. ما دام يُجاهد ويُقاتل فهو دائماً على حق وصواب .. وما سواه ممن يُخالفونه ـ وإن كانوا من أهل العلم والفضل والتقوى ـ فهم دائماً على باطل وخطأ!
يردون ـ أحياناً ـ نصوص الكتاب والسنة ـ لهوى في نفوسهم .. ورغبة في التشويش على الحق ـ تحت حجة أنهم على مذهب وقول المجاهدين وأهل الثغور!
وحجتهم في جميع ما تقدم ذكره، فهمهم الخاطئ لقوله تعالى:{ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ }العنكبوت:69.
فقالوا: هذا دليل على أن الله تعالى تكفل بهداية المجاهدين المقاتلين إلى سبل الحق والهداية والصواب دون غيرهم أو أكثر من غيرهم، فحصروا الهداية للحق على المجاهدين المقاتلين دون غيرهم .. وبالتالي لو اختلفوا مع غيرهم فالحق معهم على الإطلاق .. ومخالفهم على الباطل .. ومن دون أن يدققوا النظر في أدلة الطرفين .. وأي القولين أو الفريقين أقرب لأدلة الكتاب والسنة ومقاصدها!
"[/size][/color]

إضافة مميزة ورائعة بحق

أحسن الله إليك أخي

شهيد الأقصى

جعلك الله ممن يرون الحق حقا ويرزقهم اتباعه

جزاك الله خيرا وبارك فيك

شهيد الاقصى
11-20-2007, 02:34 PM
لم أستغرب عليك التركيز على المقدمة والقشور وتجاهل المادة العلمية


كنت قد أخطأت في هذه المسألة ، وقد اعتمدت في تفسيرها على التفسير المسير

والمؤمنون الذين جاهدوا أعداء الله, والنفس, والشيطان, وصبروا على الفتن والأذى في سبيل الله, سيهديهم الله سبل الخير, ويثبتهم على الصراط المستقيم, ومَن هذه صفته فهو محسن إلى نفسه وإلى غيره. وإن الله سبحانه وتعالى لمع مَن أحسن مِن خَلْقِه بالنصرة والتأييد والحفظ والهداية.

وتفسير الجلالين
69 - (والذين جاهدوا فينا) في حقنا (لنهدينهم سبلنا) طريق السير إلينا (وإن الله لمع المحسنين) المؤمنين بالنصر والعون


ونتفق مع الشيخ ابو بصير الطرطوسي بأن المجاهدين ليسوا ملائكة منزلين وليسوا مرفعين وهذا ما ذكرناه كثيرا
ونتفق ايضا مع اهل الاسلام جميعا في ان للتناصح والتقويم اسلوب وهو بعيد كل البعد عن التكفير والضليل وحتى المهاجمة ، ومن تعدى النصيحة الى الهجوم والتضليل فقد سفه نفسه

http://www.altqwa.com/showpost.php?p=55228&postcount=12

زهرة الإسلام
11-20-2007, 04:12 PM
نسأل الله أن يصلح أحوال أخواننا المجاهدين في كل مكان

وأن يرزقهم رؤية الحق والثبات عليه

اللهم امين

سيف الحق
11-21-2007, 03:15 PM
موضوع رائع و مهم

اللهم إعنا على أنفسنا

اللهم انصرنا عليها

بارك الله فيك أخي ملك الليل

وفقك الله لما يحب و يرضى

شهيد الاقصى
11-24-2007, 08:29 AM
قال ابن تيمية رحمه الله بالنص ؛ قال رحمه الله:" قال الإمامان عبد الله بن المبارك وأحمد بن حنبل وغيرهما إذا إختلف الناس فى شىء فإنظروا ماذا عليه أهل الثغور فإن الحق معهم لأنّ الله يقول والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا" قال ذلك بعد قوله- رحمه الله:" لهذاكان الجهاد موجبا للهداية التى هى محيطة بأبواب العلم كما دل عليه قوله تعالىوالذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا فجعل لمن جاهد فيه هداية جميع سبله تعالى" الموضعين في الفتاوى28/442

أبو قاسم
11-25-2007, 11:39 AM
أحسنت أخي ملك الليل
وأفرض الجهاد جهاد النفس وجهاد الهوى وجهاد الشيطان وجهاد الدنيا ، فمن جاهد هذه الأربعة في الله هداه الله سبل رضاه الموصلة إلى حنته ، ومن ترك الجهاد فاته من الهدى بحسب ماعطل من الجهاد
صراحة إن كتير من الناس تأخد الكلام والمواضيع من ظاهرها ولا تتعنق في داخله
ولذلك فإن الكتير تتكون عنده مفاهيم خاطئة
جزاك الله كل خير

شمس التقوى
12-02-2007, 04:22 PM
بارك الله فيك اخى الكريم
وجعل كل ماتكتب فى ميزان حسناتك