المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من روائع الشعر ( نهج البردة )


ملك الليل
12-01-2005, 09:06 PM
ريـمٌ عـلى القـاعِ بيـن البـانِ والعلَمِ = أَحَـلّ سـفْكَ دمـي فـي الأَشهر الحُرُمِ
رمـى القضـاءُ بعيْنـي جُـؤذَر أَسدًا = يـا سـاكنَ القـاعِ, أَدرِكْ ساكن الأَجمِ
لمــا رَنــا حــدّثتني النفسُ قائلـةً = يـا وَيْـحَ جنبِكَ, بالسهم المُصيب رُمِي
جحدتهـا, وكـتمت السـهمَ فـي كبدي = جُـرْحُ الأَحبـة عنـدي غـيرُ ذي أَلـمِ
رزقـتَ أَسـمح مـا في الناس من خُلق= إِذا رُزقـتَ التمـاس العـذْر فـي الشِّيَمِ
يـا لائـمي في هواه - والهوى قدَرٌ - =لـو شـفَّك الوجـدُ لـم تَعـذِل ولم تلُمِِ
لقــد أَنلْتُــك أُذْنًــا غـير واعيـةٍ = ورُبَّ منتصـتٍ والقلـبُ فـي صَمـمِ
يـا نـاعس الطَّرْفِ; لاذقْتَ الهوى أَبدًا =أَسـهرْتَ مُضنـاك في حفظِ الهوى, فنمِ
أَفْـديك إِلفًـا, ولا آلـو الخيـالَ فِـدًى = أَغـراك بـالبخلِ مَـن أَغـراه بـالكرمِ
سـرَى, فصـادف جُرحًـا داميًا, فأَسَا = ورُبَّ فضــلٍ عـلى العشـاقِ للحُـلُمِ
مَــن المـوائسُ بانًـا بـالرُّبى وقَنًـا = اللاعبـاتُ برُوحـي, السـافحات دمِي?
الســافِراتُ كأَمثـالِ البُـدُور ضُحًـى= يُغِـرْنَ شـمسَ الضُّحى بالحَلْي والعِصَمِ
القــاتلاتُ بأَجفــانٍ بهــا سَــقَمٌ = وللمنيــةِ أَســبابٌ مــن السّــقَمِ
العــاثراتُ بأَلبــابِ الرجـال, ومـا = أُقِلـنَ مـن عـثراتِ الـدَّلِّ في الرَّسمِ
المضرمـاتُ خُـدودًا, أسـفرت, وَجَلتْ = عــن فِتنـة, تُسـلِمُ الأَكبـادَ للضـرَمِ
الحــاملاتُ لــواءَ الحسـنِ مختلفًـا= أَشــكالُه, وهـو فـردٌ غـير منقسِـمِ
مـن كـلِّ بيضـاءَ أَو سـمراءَ زُيِّنتا = للعيـنِ, والحُسـنُ فـي الآرامِ كالعُصُمِ
يُـرَعْنَ للبصـرِ السـامي, ومن عجبٍ = إِذا أَشَــرن أَســرن الليـثَ بـالعَنمِ
وضعـتُ خـدِّي, وقسَّـمتُ الفؤادَ ربًى = يَـرتَعنَ فـي كُـنُسٍ منـه وفـي أَكـمِ
يـا بنـت ذي اللِّبَـدِ المحـميِّ جانِبُـه = أَلقـاكِ فـي الغاب, أَم أَلقاكِ في الأطُمِ?
مـا كـنتُ أَعلـم حـتى عـنَّ مسـكنُه = أَن المُنــى والمنايـا مضـرِبُ الخِـيمِ
مَـنْ أَنبتَ الغصنَ مِنْ صَمصامةٍ ذكرٍ? = وأَخـرج الـريمَ مِـن ضِرغامـة قرِمِ?
بينـي وبينـكِ مـن سُـمْرِ القَنا حُجُب= ومثلُهــا عِفَّــةٌ عُذرِيــةُ العِصَـمِ
لـم أَغش مغنـاكِ إِلا في غضونِ كَرًى = مَغنــاك أَبعــدُ للمشـتاقِ مـن إِرَمِ
يـا نفسُ, دنيـاكِ تُخْـفي كـلَّ مُبكيـةٍ= وإِن بــدا لـكِ منهـا حُسـنُ مُبتسَـمِ
فُضِّـي بتقـواكِ فاهًـا كلمـا ضَحكتْ= كمــا يُفـضُّ أَذَى الرقشـاءِ بـالثَّرَمِ
مخطوبـةٌ - منـذُ كان الناسُ - خاطبَةٌ= مـن أَولِ الدهـر لـم تُـرْمِل, ولم تَئمِ
يَفنـى الزّمـانُ, ويبقـى مـن إِساءَتِها = جــرْحٌ بـآدم يَبكـي منـه فـي الأَدمِ
لا تحــفلي بجناهــا, أَو جنايتهــا = المـوتُ بـالزَّهْر مثـلُ المـوت بالفَحَمِ
كـم نـائمٍ لا يَراهـا, وهـي سـاهرةٌ= لــولا الأَمـانيُّ والأَحـلامُ لـم ينـمِ
طــورًا تمـدّك فـي نُعْمـى وعافيـةٍ = وتـارةً فـي قـرَار البـؤس والـوَصَمِ
كـم ضلَّلتـكَ, وَمَـن تُحْجَـبْ بصيرتُه= إِن يلـقَ صابـا يَـرِد, أَو عَلْقمـا يَسُمِ
يــا ويلتـاهُ لنفسـي! راعَهـا ودَهـا= مُسْـوَدَّةُ الصُّحْـفِ فـي مُبْيَضَّـةِ اللّمَمِ
ركَضْتهـا فـي مَـرِيع المعصياتِ, وما= أَخـذتُ مـن حِمْيَـةِ الطاعـات للتُّخَـمِ
هــامت عـلى أَثَـرِ اللَّـذاتِ تطلبُهـا = والنفسُ إِن يَدْعُهـا داعـي الصِّبـا تَهمِ
صــلاحُ أَمـرِك للأَخـلاقِ مرجِعُـه = فقـــوِّم النفسَ بــالأَخلاقِ تســتقمِ
والنفسُ مـن خيرِهـا فـي خـيرِ عافيةٍ = والنفسُ مـن شـرها فـي مَـرْتَعٍ وَخِمِ
تطغـى إِذا مُكِّـنَتْ مـن لـذَّةٍ وهـوًى= طَغْـيَ الجيـادِ إِذا عَضَّـت على الشُّكُمِ
إِنْ جَـلَّ ذَنبـي عـن الغُفـران لي أَملٌ = فـي اللـهِ يجـعلني فـي خـيرِ مُعتصَمِ
أُلقـي رجـائي إِذا عـزَّ المُجـيرُ على= مُفـرِّج الكـرب فـي الـدارينِ والغمَمِ
إِذا خــفضتُ جَنــاحَ الـذُّلِّ أَسـأَله =عِـزَّ الشـفاعةِ; لـم أَسـأَل سـوى أَمَمِ
وإِن تقـــدّم ذو تقــوى بصالحــةٍ = قــدّمتُ بيــن يديـه عَـبْرَةَ النـدَمِ
لـزِمتُ بـابَ أَمـير الأَنبيـاءِ, ومَـنْ = يُمْسِــكْ بمِفتــاح بـاب اللـه يغتنِـمِ
فكــلُّ فضـلٍ, وإِحسـانٍ, وعارفـةٍ = مــا بيــن مســتلمٍ منـه ومُلـتزمِ
علقـتُ مـن مدحـهِ حـبلاً أعـزُّ بـه= فـي يـوم لا عِـزَّ بالأَنسـابِ واللُّحَـمِ
يُـزرِي قَـرِيضِي زُهَـيْرًا حين أَمدحُه = ولا يقـاسُ إِلـى جـودي لـدَى هَـرِمِ
محــمدٌ صفـوةُ البـاري, ورحمتُـه = وبغيَـةُ اللـه مـن خَـلْقٍ ومـن نَسَـمِ
وصـاحبُ الحـوض يـومَ الرُّسْلُ سائلةٌ = متـى الـورودُ? وجـبريلُ الأَمين ظَمي
ســناؤه وســناهُ الشــمسُ طالعـةً= فـالجِرمُ فـي فلـكٍ, والضوءُ في عَلَمِ
قـد أَخطـأَ النجـمَ مـا نـالت أُبوَّتُـه= مـن سـؤددٍ بـاذخ فـي مظهَـرٍ سَنِم
نُمُـوا إِليـه, فـزادوا في الورَى شرَفًا = ورُبَّ أَصـلٍ لفـرع فـي الفخـارِ نُمي
حَــوَاه فـي سُـبُحاتِ الطُّهـرِ قبلهـم = نـوران قامـا مقـام الصُّلـبِ والرَّحِم
لمــا رآه بَحــيرا قــال: نعرِفُــه = بمـا حفظنـا مـن الأَسـماءِ والسِّـيمِ
سـائلْ حِراءَ, وروحَ القدس: هل عَلما = مَصـونَ سِـرٍّ عـن الإِدراكِ مُنْكَـتِمِ?
كــم جيئـةٍ وذهـابٍ شُـرِّفتْ بهمـا = بَطحـاءُ مكـة فـي الإِصبـاح والغَسَمِ
ووحشــةٍ لابــنِ عبـد اللـه بينهمـا = أَشـهى مـن الأُنس بالأَحبـاب والحشَمِ
يُسـامِر الوحـيَ فيهـا قبـل مهبِطـه= ومَــن يبشِّـرْ بسِـيمَى الخـير يَتَّسِـمِ
لمـا دعـا الصَّحْـبُ يستسقونَ من ظمإٍ = فــاضتْ يـداه مـن التسـنيم بالسَّـنِمِ
وظلَّلَتــه, فصــارت تسـتظلُّ بـه = غمامــةٌ جذَبَتْهــا خِــيرةُ الــديَمِ
محبــةٌ لرســولِ اللــهِ أُشــرِبَها = قعـائدُ الدَّيْـرِ, والرُّهبـانُ فـي القِمـمِ
إِنّ الشــمائلَ إِن رَقَّــتْ يكـاد بهـا = يُغْـرَى الجَمـادُ, ويُغْـرَى كلُّ ذي نَسَمِ
ونـودِيَ: اقـرأْ. تعـالى اللـهُ قائلُهـا = لـم تتصـلْ قبـل مَـن قيلـتْ له بفمِ
هنــاك أَذَّنَ للرحــمنِ, فــامتلأَت= أَســماعُ مكَّــةَ مِـن قُدسـيّة النَّغـمِ
فـلا تسـلْ عـن قريش كيف حَيْرتُها?= وكـيف نُفْرتُهـا فـي السـهل والعَلمِ?
تسـاءَلوا عـن عظيـمٍ قـد أَلـمَّ بهـم = رمَــى المشــايخَ والولـدانَ بـاللَّممِ
يـا جـاهلين عـلى الهـادي ودعوتِـه= هـل تجـهلون مكـانَ الصـادِقِ العَلمِ?
لقَّبتمــوهُ أَميـنَ القـومِ فـي صِغـرٍ =ومــا الأَميــنُ عـلى قـوْلٍ بمتّهَـمِ
فـاق البـدورَ, وفـاق الأَنبيـاءَ, فكـمْ = بـالخُلْق والخَـلق مِـن حسْنٍ ومِن عِظمِ
جـاءَ النبيـون بالآيـاتِ, فـانصرمت = وجئتنــا بحــكيمٍ غــيرِ مُنصَـرمِ
آياتُــه كلّمــا طـالَ المـدَى جُـدُدٌ = يَــزِينُهنّ جــلالُ العِتــق والقِـدمِ
يكــاد فــي لفظــةٍ منـه مشـرَّفةٍ =يـوصِيك بـالحق, والتقـوى, وبالرحمِ
يـا أَفصـحَ النـاطقين الضـادَ قاطبـةً = حــديثُك الشّـهدُ عنـد الـذائقِ الفهِـمِ
حَـلَّيتَ مـن عَطَـلٍ جِـيدَ البيـانِ به = فـي كـلِّ مُنتَـثِر فـي حسـن مُنتظِمِ
بكــلِّ قــولٍ كـريمٍ أَنـت قائلُـه= تُحْـيي القلـوبَ, وتُحْـيي ميِّـتَ الهِممِ
سَــرَتْ بشــائِرُ بالهـادي ومولِـده = في الشرق والغرب مَسْرى النور في الظلمِ
تخـطَّفتْ مُهَـجَ الطـاغين مـن عربٍ= وطــيَّرت أَنفُسَ البـاغين مـن عجـمِ
رِيعـت لهـا شُرَفُ الإِيوان, فانصدعت= مـن صدمـة الحق, لا من صدمة القُدمِ
أَتيـتَ والنـاسُ فَـوْضَى لا تمـرُّ بهم = إِلاّ عـلى صَنـم, قـد هـام فـي صنمِ
والأَرض مملــوءَةٌ جـورًا, مُسَـخَّرَةٌ = لكــلّ طاغيـةٍ فـي الخَـلْق مُحـتكِمِ
مُسَـيْطِرُ الفـرْسِ يبغـى فـي رعيّتـهِ = وقيصـرُ الـروم مـن كِـبْرٍ أَصمُّ عَمِ
يُعذِّبــان عبــادَ اللــهِ فـي شُـبهٍ= ويذبَحــان كمــا ضحَّــيتَ بـالغَنَمِ
والخــلقُ يَفْتِــك أَقـواهم بـأَضعفِهم = كــاللَّيث بـالبَهْم, أَو كـالحوتِ بـالبَلَمِ
أَســرَى بـك اللـهُ ليـلاً, إِذ ملائكُـه= والرُّسْـلُ في المسجد الأَقصى على قدَمِ
لمــا خـطرتَ بـه التفُّـوا بسـيدِهم = كالشُّـهْبِ بـالبدرِ, أَو كـالجُند بـالعَلمِ
صـلى وراءَك منهـم كـلُّ ذي خـطرٍ = ومــن يفُــز بحــبيبِ اللـه يـأْتممِ
جُـبْتَ السـمواتِ أَو مـا فـوقهن بهم = عـــلى منــوّرةٍ دُرِّيَّــةِ اللُّجُــمِ
رَكوبـة لـك مـن عـزٍّ ومـن شرفٍ= لا فـي الجيـادِ, ولا فـي الأَيْنُق الرسُمِ
مَشِــيئةُ الخـالق البـاري, وصَنعتُـه= وقــدرةُ اللــه فـوق الشـك والتُّهَـمِ

فارس الاسلام
12-03-2005, 01:39 PM
بلا شك ...

قصيدة غاية في الروعة ..

كيف لا وانت الذي قد وضعتها ؟ :)

بارك الله فغيك وجزاك عنا كل خير

تحتي لك

فارس الاسلام
12-03-2005, 01:40 PM
لا ..

ليس جمالها فقط لأن ملك الليل بواضعها ...

بل انها حقا جميلة ...

وقد اعجبت بها حقا ,,,

تحيتي بذكر الله تعالى

نور الإسلام
12-03-2005, 03:46 PM
جزاك الله خيرا
فكرتنا بأيام المدرسة ... كنت أحفظ مقاطع منها

هذا غير الشرح والمعاني والاعرابات
جزاك الله خيرا أخي ملك الليل
وننتظر انتقاءك الطيب لأروع القصائد العربية

بوركت

مالك
12-03-2005, 11:58 PM
طرح قوي ورائع اخي ملك الليل

فقصيدة نهج البردة لشوقي من اشهر قصائد المعارضات
وهي التي عارض بها قصيدة البوصيري
( الكواكب الدرية في مدح خير البرية )
او كما اشتهرت على ألسن الناس باسم قصيدة البردة

والتي اولها :

أمِـنْ تَذَكِّـرِ جيـرانٍ بـذي سَلَـمِ ** مَزَجْتَ دَمعا جرى مِـن مُقلَـةٍ بـِدَمِ
أَم هَبَّتِ الريحُ مِـن تلقـاءِ كاظِمَـةٍ ** وأومَضَ البرقُ في الظَّلماءِ مِن اِضَمِ



وما احسن شوقي في معرضاته للشعراء .. خاصة وهو
يجاريهم في حسن منطقهم .. ويولد الصور البلاغية الفائقة
الجمال .. وما أبلغه هنا وهو يحدث النفس قائلا :

يا نفـسُ, دنيـاكِ تُخْفـي كـلَّ مُبكيـةٍ ** وإِن بـدا لـكِ منهـا حُسـنُ مُبتـسَـمِ
فُضِّي بتقـواكِ فاهًـا كلمـا ضَحكـتْ ** كمـا يُفـضُّ أَذَى الرقـشـاءِ بالـثَّـرَمِ
يَفنـى الزّمـانُ, ويبقـى مـن إِساءَتِهـا ** جـرْحٌ بـآدم يَبكـي منـه فــي الأَدمِ
يـا ويلتـاهُ لنفسـي! راعَهـا ودَهــا ** مُسْوَدَّةُ الصُّحْـفِ فـي مُبْيَضَّـةِ اللّمَـمِ
صـلاحُ أَمـرِك للأَخـلاقِ مرجِـعُـه ** فقـوِّم النـفـسَ بـالأَخـلاقِ تستـقـمِ
والنفسُ من خيرِهـا فـي خيـرِ عافيـةٍ ** والنفسُ من شرهـا فـي مَرْتَـعٍ وَخِـمِ



فنجده هنا قد سار مسرى البوصيري في
حديثه عن النفس في بردته .. فقد قال البويصري :

فانَّ أمَّارَتِي بالسوءِ ما اتَّعَظَت *** مِن جهلِهَا بنذير الشَّيْبِ والهَرَمِ
ولا أعَدَّتْ مِنَ الفِعلِ الجميلِ قِرَى *** ضَيفٍ أَلَمَّ برأسي غيرَ مُحتشِمِ
فلا تَرُمْ بالمعاصي كَسْرَ شهوَتهَا *** اِنَّ الطعامَ يُقوِّي شهوةَ النَّهِمِ
فاصْرِف هواها وحاذِر أَن تُوَلِّيَهُ *** اِنَّ الهوى ما تَوَلَّى يُصْمِ أو يَصِمِ
وراعِهَا وهْيَ في الأعمال سائِمَةٌ *** واِنْ هِيَ استَحْلَتِ المَرعى فلا تُسِمِ
كَم حسَّنَتْ لَذَّةً للمرءِ قاتِلَةً *** مِن حيثُ لم يَدْرِ أَنَّ السُّمَّ في الدَّسَمِ



وما يختلف شوقي عن البوصيري في هذه القصيدة هو أن
البوصيري قد غالى غلواً غير محمود .. في قصيدته البردة .. فقد قال :

نَبِيُّنَـا الآمِرُ النَّــاهِي فلا أَحَــدٌ ** أبَـرُّ في قَــولِ لا منـه ولا نَعَـمِ
ما سـامَنِي الدَّهرُ ضيمَاً واسـتَجَرتُ بِهِ ** اِلا ونِــلتُ جِـوَارَاً منه لم يُـضَمِ
ولا التَمســتُ غِنَى الدَّارَيْنِ مِن يَـدِهِ ** اِلا استَلَمتُ النَّدَى مِن خيرِ مُسـتَلَمِ
كَــم أبْرَأَتْ وَصِبَـاً باللمسِ راحَتُهُ ** وأطلَقَتْ أَرِبَــاً مِن رِبــقَةِ اللمَمِ
يــا أكرَمَ الخلقِ ما لي مَن ألوذُ به = سِـوَاكَ عِنـدَ حُلولِ الحادِثِ العَمِمِ




واسمح لي اخي ملك الليل بمقارنة بسيطة بين القصديتين :


يقول البوصيري :

خَدَمْتُهُ بمديــحٍ أســتَقِيلِ بِـهِ ** ذُنوبَ عُمْر مَضَى في الشِّعرِ والخِدَمِ


ويقول شوقي في نفس المعنى :

علقـتُ مـن مدحـهِ حبـلاً أعـزُّ بـه ** فـي يـوم لا عِـزَّ بالأَنسـابِ واللُّحَـمِ




ويقول البوصيري في حادثة الاسراء :

سَرَيتَ مِن حَـرَمٍ ليــلا الى حَرَمِ ** كما سَـرَى البَدرُ في داجٍ مِنَ الظُّلَمِ
وبِتَّ ترقَى الى أن نِلـتَ مَنزِلَــةً ** مِن قابَ قوسَـيْنِ لم تُدرَكْ ولَم تُـرَمِ
وقَـدَّمَتْكَ جميعُ الأنبيـاءِ بهـــا ** والرُّسْـلِ تقديمَ مخـدومٍ على خَـدَمِ
وأنتَ تَختَرِقُ الســبعَ الطِّبَاقَ بهم ** في مَوكِبٍ كُنتَ فيـه صاحِبَ العَـلَمِ
حتى اذا لم تدَعْ شَــأْوَاً لمُســتَبِقٍ ** مِنَ الـــدُّنُوِّ ولا مَرقَىً لمُســتَنِمِ
خَفَضْتَ كُــلَّ مَقَامٍ بالاضـافَةِ اِذ ** نُودِيتَ بالـرَّفعِ مثلَ المُفرَدِ العَــلَمِ
كيما تَفُوزَ بِوَصْــلٍ أيِّ مُســتَتِرِ ** عَنِ العُيــون وسِـــرٍّ أيِّ مُكتَتِمِ
فَحُزتَ كُــلَّ فَخَارٍ غيرَ مُشـتَرَكٍ ** وجُزْتَ كُــلَّ مَقَــامٍ غيرَ مُزدَحَمِ



ويقول شوقي في نفس الحادثة :

أَسـرَى بـك اللهُ لـيـلاً, إِذ ملائـكُـه ** والرُّسْلُ في المسجد الأَقصى علـى قـدَمِ
لمـا خطـرتَ بـه التـفُّـوا بسيـدِهـم ** كالشُّهْـبِ بالبـدرِ, أَو كالجُنـد بالعَـلـمِ
صلـى وراءَك منهـم كـلُّ ذي خطـرٍ ** ومــن يـفُـز بحبـيـبِ الله يأْتـمـمِ
جُبْـتَ السمـواتِ أَو مـا فوقهـن بهـم ** عـلـى مـنـوّرةٍ دُرِّيَّــةِ الـلُّـجُـمِ
رَكوبة لـك مـن عـزٍّ ومـن شـرفٍ ** لا في الجيادِ, ولا فـي الأَيْنُـق الرسُـمِ




يقول البوصيري في قصة الغمامة :

مثلَ الغمــامَةِ أَنَّى سـارَ ســائِرَةً ** تَقِيـهِ حَرَّ وَطِيـسٍ للهَجِــيرِ حَمِي


ويقول شوقي عن نفس القصة :

وظلَّلَتـه, فـصـارت تستـظـلُّ بــه ** غمـامـةٌ جذَبَتْـهـا خِـيـرةُ الـديَـمِ




يقول البوصيري عن منطق الرسول وآيات القرآن الكريم :


وأَحْيت السَــنَةَ الشَّــهباءَ دَعوَتُهُ ** حتى حَكَتْ غُرَّةً في الأَعصُرِ الدُّهُـمِ
بعارِضٍ جادَ أو خِلْتَ البِطَـاحَ بهــا ** سَـيْبٌ مِنَ اليمِّ أو سَـيْلٌ مِنَ العَرِمِ
دَعنِي وَوَصفِيَ آيـــاتٍ له ظهَرَتْ ** ظهُورَ نـارِ القِرَى ليـلا على عَـلَمِ
فالــدُّرُ يزدادُ حُسـناً وَهْوَ مُنتَظِمُ ** وليس يَـنقُصُ قَــدرَاً غيرَ مُنتَظِمِ
فمَــا تَطَـاوُلُ آمــالِ المدِيحِ الى ** مـا فيـه مِن كَرَمِ الأخلاقِ والشِّيَمِ
آيــاتُ حَقٍّ مِنَ الرحمنِ مُحدَثَــةٌ ** قــديمَةٌ صِفَةُ الموصـوفِ بالقِـدَمِ
لم تَقتَرِن بزمـــانٍ وَهْيَ تُخبِرُنــا ** عَنِ المَعَـــادِ وعَن عـادٍ وعَن اِرَمِ
دامَتْ لدينـا ففاقَتْ كُــلَّ مُعجِزَةٍ ** مِنَ النَّبيينَ اِذ جــاءَتْ ولَم تَـدُمِ
مُحَكَّـمَاتٌ فمــا تُبقِينَ مِن شُـبَهٍ ** لــذي شِـقَاقٍ وما تَبغِينَ مِن حِكَمِ
ما حُورِبَت قَطُّ الا عــادَ مِن حَرَبٍ ** أَعـدَى الأعـادِي اليها مُلقِيَ السَّلَمِ
رَدَّتْ بلاغَتُهَــا دَعوى مُعارِضِهَـا ** رَدَّ الغَيُورِ يَـدَ الجــانِي عَن الحُرَمِ
لها مَعَــانٍ كَموْجِ البحرِ في مَـدَدٍ ** وفَـوقَ جَوهَرِهِ في الحُسـنِ والقِيَمِ
فَمَـا تُـعَدُّ ولا تُحـصَى عجائِبُهَـا ** ولا تُسَـامُ على الاِكثــارِ بالسَّأَمِ
قَرَّتْ بَهـا عينُ قارِيها فقُلتُ لــه ** لقـد ظَفِـرتَ بحَبْـلِ الله فـاعتَصِمِ
كــأنَّها الحوضُ تَبيَضُّ الوُجُوهُ بِـهِ ** مِنَ العُصَاةِ وقَــد جاؤُوهُ كالحُمَـمِ
وكـالصِّراطِ وكـالميزانِ مَعدَلَــةً ** فالقِسطُ مِن غيرِهَا في النـاسِ لم يَقُمِ
لا تَعجَبَنْ لِحَسُـودٍ راحَ يُنكِرُهَــا ** تجاهُلا وَهْـوَ عـينُ الحـاذِقِ الفَهِمِ
قد تُنكِرُ العينُ ضَوْءَ الشمسِ مِن رَمَدٍ ** ويُنكِرُ الفَمَ طعمَ المـاءِ مِن سَــقَمِ



ويقول شوقي في نفس الغرض :

جـاءَ النبيـون بالآيـاتِ, فانصـرمـت ** وجئتنـا بحكـيـمٍ غـيـرِ مُنـصَـرمِ
آياتُـه كلّمـا طــالَ الـمـدَى جُــدُدٌ ** يَزِينُـهـنّ جــلالُ العِـتـق والـقِـدمِ
يكـاد فـي لفـظـةٍ مـنـه مشـرَّفـةٍ ** يوصِيـك بالحـق, والتقـوى, وبالرحـمِ
يـا أَفصـحَ الناطقيـن الضـادَ قاطبـةً ** حديثُـك الشّهـدُ عنـد الذائـقِ الفـهِـمِ
حَلَّيـتَ مـن عَطَـلٍ جِيـدَ البيـانِ بـه ** فـي كـلِّ مُنتَثِـر فـي حسـن مُنتظِـمِ
بكـلِّ قـولٍ كـريـمٍ أَنــت قائـلُـه ** تُحْيـي القلـوبَ, وتُحْيـي ميِّـتَ الهِمـمِ






وجدير بالذكر أن البارودي الشاعر الكبير
قد سبق شوقي الى معارضة بردة البوصيري
حيث كتب قصيدته " كشف الغمة في مدح سيد الأمة "

والتي أولها:
يا رائد البرق يمم دارة العلم ** واحدُ الركاب إلى حي بذي سلم

وهي قصيدة طويل يزيد عدد ابياتها عن الـ 440 بيت



جزاك الله كل خير على هذه القصيدة




ودمتم

طويل الشوق
12-04-2005, 08:40 PM
قصيدة في قمة الروعة
بارك الله فيك

ملك الليل
12-05-2005, 11:47 PM
بلا شك ...
قصيدة غاية في الروعة ..


وبلا شك أنه مرور رائع

بل وفي غاية الروعة

حياك الله أخي

ملك الليل
12-05-2005, 11:49 PM
جزاك الله خيرا
فكرتنا بأيام المدرسة ... كنت أحفظ مقاطع منها
هذا غير الشرح والمعاني والاعرابات
جزاك الله خيرا أخي ملك الليل
وننتظر انتقاءك الطيب لأروع القصائد العربية
بوركت

حياك الله أختاه

وشكرا لمرورك الكريم وحضورك المميز

وإن شاء الله سنعمل على تزويد القسم بالمتميز من القصائد

ملك الليل
12-05-2005, 11:51 PM
طرح قوي ورائع اخي ملك الليل
جزاك الله كل خير على هذه القصيدة
ودمتم

الطرح القوي جاء منك أخي الحبيب

فخيرا فعلت حين وضعت القصيدتين المتعارضتين

أثابك الله خير الجزاء

وزادك علما وفهما

ملك الليل
12-05-2005, 11:52 PM
قصيدة في قمة الروعة
بارك الله فيك

شكرا لك أخي ولتعقيبك المميز

وشكرا لمرورك الرائع

بارك الله فيك